وقبل أن يتعجل على معترض بأى اعتراض أبادر إلى تفصيل هذا السلطان العقلى الذى أمرنا الله أن نحتكم إليه وبيان مداه، وأضع أمام الباحث خمس حقائق لا يجوز أن تغيب عن ذهنه طرفة عين: * الحقيقة الأولى- أن هذا العقل الذى خلقه الله لنا، وأمرنا أن نحتكم إليه له سلطانان، سلطان مطلق ليس له قيود سوى قيود العقل السليم وحده، وسلطان نسبى مقيد بقيود المبادئ الأساسية التى قررها الإسلام. فكما أن المبادئ الأساسية المنصوص عليها بالآيات المحكمات، أو المستنبطة من الآيات المحكمات، نحن مأمورون أن نحتكم فيها إلى سلطان العقل المطلق مع أنفسنا في عقائدنا، ومع غيرنا من أصحاب العقائد المخالفة، فإن الأحكام الجزئية التى يمكن أن نفسرها أو نستنبطها ضمن حدود تلك المبادئ الأساسية، تقع بالتالى تحت سلطان"العقل"الذى سميناه سلطان العقل النسبى المقيد. لأنها بنى على المعقول فهو معقول. * الحقيقة الثانية -أن السلطان العقلى المطلق الذى أمرنا الله أن نحتكم إليه -حتى في الآيات اللواتى هن أم الكتاب- ليس معناه أن يحتكم كل فرد إلى عقله، فالعقول تختلف قوة وضعفا، فتصيب وتخطئ، ولكن معناه أن نحتكم إلى الأحكام العقلية القاطعة التى تتفق عليها العقول السليمة ... كل العقول السليمة اتفاقا عامًا لا خلاف فيه. * الحقيقة الثالثة- كل نص قطعى واضح لا يسبب تناقضا عقليا في الذهن"وهذا شأن الآيات المحكمات كلها بلا استثناء"فمن الواجب الإيمان به ولو كان تصور معناه عسيرًا على الذهن لأن"التعقل"غير"التصور". وكل نص يوجب تناقضًا عقليًا في الذهن فمن الواجب تأويله تأويلا يرتفع به التناقض العقلى. * الحقيقة الرابعة- أن الآيات المتشابهات التى تعجز عقولنا عن تأويلها يجب أن نردها إلى، أم الكتاب"وما دامت"المحكمات أم الكتاب"غير متناقضة مع العقل فإن المتشابهات التى تهيمن عليها"المحكمات أم الكتاب"تكون ولابد معقولة وإن عجزنا عن تأويلها:"فالمحكمات"من عند الله،"والمتشابهات"من عند الله، ولكن"المحكمات أم الكتاب"هى الأصول التى تسيطر على ص _047"