الصفحة 52 من 254

القول بعدم وجود حكمة للأحكام الإلهية يتناقض مع الدين والعقل، كما أن الجمود عن استنباط الأحكام للأحداث المستجدة هو تعطيل للدين وحكم بنقصانه وهو الدين الكامل بشهادة الله نفسه. وهكذا نرى أن أعظم مزية يمتاز بها الإسلام على غيره من الأديان السماوية أنه يجعل لـ"العقل"السلطان الأعلى في إدراك كل معنى في الوجود، ويأمرنا أن نحتكم إليه حتى في الإيمان بوجود الله ووحدانيته والإيمان بالرسل. وما كانت هذه المزية أعظم المزايا إلا لأنها هى الأصل لكل برهان ذكره الله لإثبات وجوده ووحدانيته وصدق رسله. فلولا العقل لما عرفنا الله، ولما استطعنا أن نفهم أدلة الله وبراهينه التى كررها في كتابه ليبرهن على وجوده، ووحدانيته، وطلب منا أن نتفكر فيها وندركها ونعقلها، ولما استطعنا بالتالى أن نؤمن بأحقية الأحكام التى بلغنا إياها الرسول، وما فيها من الهدى والخير. ولما استطعنا أن نستنبط الأحكام المستجدة بطريق القياس، ولتعطلت أحكام الدين في الوقائع التى لم يرد بها نص. وهذا ما لا يقول به عاقل من العوام فضلا عن العاقل من العلماء الأعلام. فالله سبحانه يقول لنا:"اليوم أكملت لكم دينكم"وهو يعلم أن هناك على كر الدهور القادمة وقائع وأحداثًا ستأتى ولم ينزل سبحانه حكما خاصا فلابد -عقلا- أن يكون قد أجاز أن نستنبط الأحكام على أساس العقل من طريق قانون العلية الذى ندرك به علة الحكم، وحكمة الله فيه ضمن دائرة المبادئ الأساسية التى أنزلها الله في الآيات المحكمات التى هى أم الكتاب. أما ذلك المسلم المستشرق الذى قال لى إن إيماننا بالله نفسه وصفاته لا يرتكز على العقل ولكنه ينبع الروح فإنه إما أن يكون جاهلا لمثل هذه المعانى وإما أن يكون منافقًا يريد جر المسلمين إلى الإيمان بالأسرار التى اخترعت في أديان أخرى لتغطية التناقض العقلى فيها، والاضطراب الموجب للشرك التى وقعت فيه تلك الديانات عند تصور معنى الوحدانية. ص _053

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت