الصفحة 57 من 254

الترك والفرس أنفسهم، ثم عادت اللجاجة مرة أخرى تقسم الأمة الإسلامية، وتمزق شملها حتى كان النزاع بين العرب والترك في هذا العصر سببًا مباشرًا في القضاء على الدولة الإسلامية كلها. إن هذه العصبيات الطائشة لم تكتف بتفريق الأمة الكبيرة إلى أجناس متشاحنة، بل فرقت القطر الواحد إلى أقاليم متنابزة. وبرز الساسة والأدباء الذين لا يحيون إلا على الفتن فلقحوا هذه الجاهلية الجديدة حتى آل أمرنا إلى بوار! .. ذلك أن الطامعين في الحكم، وحملة الأقلام الذين يخدمون أغراضهم، أججوا نيران هذه العصبيات، من عربية وشعوبية. ولم يدركوا وهم يقترفون هذا الشطط أنهم يعكرون مستقبل رسالة كبيرة، ويزرعون الضغائن ليجنى ثمرها المر أحفاد مظلومون. أما التستر بُمثل عليا إخفاء لهذه النزعات فمسلك بين العوار وما أصدق قول الدكتور زكى مبارك:"سيأتى يوم يعرف فيه المسلمون أن حضارتهم العظيمة لم تقوضها غير الأقلام الباغية، أقلام الكتُاب والمؤلفين الذين غفلوا عن أخطار الغيبة الاجتماعية فحبروا الفصول الطوال في المفاضلات بين الأمم الإسلامية حتى شطروها إلى عناصر يبغى بعضها على بعض بلا تورع ولا استحياء. وثورة الأمة الفارسية على اللغة العربية كانت لها أسباب من هذا النوع."وثورة الأمة التركية على الحروف العربية كانت لها دواع من هذا القبيل. ولن تزول آثار هذه أ الغيبة القلمية إلا يوم يمن الله على المسلمين بكتاب حكماء يعرفون كيف يقتلعون جذور هذه الفتن من الأفئدة والقلوب. ولكن متى يأتى ذلك اليوم؟؟. إن الأقلام تقدم ما تشاء من الألوان وهى تبغى على العدل والسلام بلا حق، بل تأخذ الأجر على خدمة البغى والإثم والعدوان"أ. هـ."

وفى أعقاب الانهيار الذى أصاب الدولة الإسلامية، وتواثب الذئاب من كل ناحية لانتهاش ما أمكن من جسدها المثخن، أخذ كل شعب مسلم يدفع عن نفسه ويذود ما وسعه الذود عن حياضه. ص _058

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت