وكان عقد الأمة الكبيرة قد انفرط، فلم يلو أحد على آخر. إنهم شعروا بغتة أن النار تشتعل حولهم فثارت في دمائهم غرائز النجاة فقط، وشرعت مصر وحدها، وتونس وحدها، والعراق وحدها، تكافح طغيان الاستعمار النازل بها. ثم شعر العرب بأن تكاتفهم في ميدان الجهاد أجدى على قضاياهم المتشابهة فأسسوا الجامعة العربية ووكلوا إلى المصالح القومية والعزة الجنسية أن تقيم بناءها وترفع لواءها. ونحن ـ إنصافًا للحقيقة ـ نشيد آمالا كبارًا على تحرر العرب جميعًا، فإن العروبة عقل الإسلام وقلبه، ويوم تضمحل وتنتهى فذلك إيذان بأن شمس الإسلام إلى أفول. وأعداء هذا الدين يدركون أن إضاعة العربية، وإماتة آدابها، وإفناء مميزاتها، وإنشاء أخلاف متنكرين لتراثهم وتاريخهم هو الخطوة الخطيرة نحو إضاعة الإسلام نفسه، وتضييع كتابه وإلحاق أمته كلها بمن باد واختفى من الأقدمين الهالكين ... وإنك لتلمح في سياسة الاستعمار التعليمية هذه النية مجسمة. فالتجهيل في اللغة العربية والاعتماد على غيرها في الوظائف والمكاتبات الحلية والعالمية عنصر ثابت. وحيثما نجحت هذه السياسة وجدت رطانة الأعاجم قد حلت محل اللسان العربى المضطهد. هكذا فعلت فرنسا بالمغرب ولبنان، وهكذا فعلت إنجلترا بالهند وباكستان، وعلى نسقهما تصنع سائر الدول الصليبية الغازية .. فإذا قام العرب للذياد عن كيانهم وتراثهم فنحن بدوافع الدين والدنيا معًا نشد أزرهم ونحمى ظهرهم. ولو لم نكن عربًا نغضب لأنفتنا ونستقتل في حماية ذمارنا وصيانة مروءاتنا لكنا باسم الإسلام نكافح من أجل كرامة العروبة وحفظ مهابتها. فالأمر يمس صميم رسالتنا لأنه كما قيل: إذا ذل العرب ذل الإسلام!. ومعروف أن من العرب من يعتنق النصرانية على اختلاف مذاهبها، إلا أن اختلاف العرب من مسلمين ونصارى لا يمنع تجمعهم على إعزاز الأمة العربية ورد العدوان عنها مهما كانت ديانة المهاجم عليها. ص _05 ص