"لقد كسب العرب من وراء هذا المؤتمر أن اختفت تلك الصيحات التى كانت تهتف دائماَ بما يسمى الواقعية، وتحكيم العقل، والتخلص هن أحكام العواطف. فإن كثيرًا من ساسة العرب كانوا يرددون في بلادهم وبين شعوبهم كلمات احترام العقل الوقور والخضوع للواقع الرشيد". وقد كانت هذه الكلمات من أشد ما يثير نفوس المتحررين ويدفع بها إلى أشد الضيق. والحق أنه لا توجد في دنيا الناس كلمة آلم للنفوس من كلمة احترام الواقع، فلو كان كل واقع يجب احترامه لوجب أن نحترم اغتصاب اليهود فلسطين، فإن هذا الاغتصاب أمر واقع. ثم لوجب أن نحترم التفرقة بين الأجناس والألوان مع تساوى المعنى الإنسانى في أنفس عباد الله جميعا، لأن هذه التفرقة أمر واقع. ثم لوجب أيضًا احترام احتلال الأقوياء للأمم الضعيفة واستغلال مواردهم، واستعباد نفوسهم، لأن هذا كله من الأمور الواقعة ... ولا نظن أن دعاة احترام الواقع يقولون بهذا القول أو يسلكون هذا السلوك، فإن معنى ذلك الدعوة الصريحة إلى استسلام الضعفاء للأقوياء والمغتصبين للمغتصبين، ولا يوجد عقل يحترم هذا المنطق، لأنه لا يوجد لسان يقول هذا المقال. وهذا ما يتوقع من الأستاذ"الباقورى"في الرد على ما رأى من رضا بالهزيمة، واستهانة بقضايا العروبة.
كان خريجو الجامعات الأمريكية يبغون تسيير دفة المؤتمر المشتغل بقضايا العروبة في اتجاه يستريح له ساسة الغرب. وفى سبيل هذا طلبوا من الأمة الإسلامية أن تقتفى أثر تركيا في"العلمانية"المجردة. وتركيا هى التى تؤيد بقاء إسرائيل في الشرق الأوسط، وهى التى خذلت الجزائر العربية المجاهدة ونصرت عليها فرنسا التى تريد"تغريبها وتنصيرها". إن أول نتائج العلمانية، أن نخون تاريخنا ولغتنا ونتخلى عن آمالنا وقضايانا، ونطرح ـ قبل ذلك ـ ديننا ورسالتنا!! ص _07 ص