وهكذا اندحر الجيش المصرى، بل هكذا فنى رجاله الأبرياء في معركة أشرف عليها أولا وآخرًا زبانية الاستعمار الغربى. قائد أمريكى خائن، ومبشر فرنسى جاسوس، وحاكم تركى غر، وأحقاد صليبية يقظة ... وبعيدًا عن مصر بآلاف الأميال كان أبناء الفلاحين الملتاعين بين الخامسة عشرة والثلاثين سنة يذبحون جماعات جماعات، ويتساقطون كورق الخريف اليابس هبت عليه رياح هوج .. مسكينة أمتنا هذه كم لقيت من عسف الملوك .. !! لم هذا الإرخاص الدنىء للرجال والأموال؟. قد تقول ـ ومن حقك أن تقول ـ: إن الأحباش دافعوا عن أرضهم، وردوا بالسيف من حاول العدوان على وطنهم. ليكن ذلك! فإذا تيقظ أهل مصر، ورأوا الخلاص من الملك الذى جر عليهم هذه المحن، فما تدخل الإنكليز وأحلافهم لحماية العرش الفاسد، وإكراه أهل مصر على الخضوع له؟؟. عندما تمرد الجيش على الخديوى"توفيق"أسرعت إنجلترا إلى إنزال قواتها بأرضنا لإرغامنا على قبول هذا اللون من الحكم الفاسد. ما السر في ذلك؟ ما بواعث هذه السياسة الفاجرة؟. الواقع أن تصرفات"إسماعيل"وابنه، وأمثالهما من حكام الشرق الإسلامى تدور داخل الحدود التى يرسمها الاستعمار الأجنبى، وأن حملة الحبشة وغيرها لم تكن إلا بعض الخطط المبيتة المدروسة لتضليل سعينا وبعثرة قوانا، وإماتة نهضتنا. ولا شك في أن إغراء كثيرًا أحاط:"بالخديوى"المغرور، ليرسل الجيش إلى مصرعه بالحبشة على النحو الذى رأيت. وأن إنجلترا وفرنسا وأمريكا تحمل الوزر الأكبر في تدويخ المسلمين، وملء طريقهم بالعقبات الكؤود. كلما نجوا من واحدة ارتطموا بأخرى. ص _087