وتنفيذًا لهذه السياسة الفاجرة شرع الفرنسيون يرحلون من وطنهم إلى المهجر الجديد حتى بلغوا قرابة المليون. أما بقية السكان العرب ـ وهم يربون على عشرة ملايين ـ فقد تقرر إذلال جمهرتهم وردهم إلى الصحراء ليهلكوا فيها، أو ليفسحوا الطريق للغزاة الوافدين من وراء البحر ... وأحس الجزائريون أن مصيرهم الهلاك المؤكد ـ إن هم قبلوا هذا الضيم ـ فحملوا السلاح وبدأوا عهدًا طويلا من الجهاد المضنى. إنهم لو لم يقاتلوا عن أمجادهم المهدرة لوجب عليهم أن يقاتلوا عن أقواتهم ومعايشهم ...
ومقاتلة الفرنسيين عبء باهظ، فهذا الشعب تهيجه عقدة الضعة إلى أن يبطش بمن يقع في قبضته بطش الجبابرة. وعلة ذلك أن فرنسا ظلت عشرين سنة تحصن الحدود بينها وبين الألمان وتجيش الجيوش وراءها حاملة آخر ما أنتجه الذكاء الإنسانى من أسلحة وعتاد. فلما وقعت الواقعة وهجم الألمان على فرنسا لم تمكث الحرب إلا سبعة عشر يومًا ثم ركع الفرنسيون على الركب أمام"هتلر"، وسلموا له بما يريد!! هذه الهزيمة التى جللت بالخزى وجوه القوم حملتهم على أن يتظاهروا بالقوة في الميادين التى يلتقون فيها بالأمم المكافحة عن حرياتها، وكأنهم يقولون: لا تظنوا بنا ضعفًا، لأننا فزمنا .. !! فهم كما قيل: أسد على وفى الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر!! ثم إن مجاهدى الجزائر كتب عليهم أن يكافحوا في دائرة مغلقة فإن السياج الذى أقامه الاستعمار حولهم حبس عن العالم أنباءهم أمدا. ومن ثم فهم يضحون في صمت، ويقاومون جبروت الصليبية الضاغطة على أعناقهم دون أن يلبى لهم صريخ أو تسمع لهم استغاثة .. !!! ص _0 ص 7