فهرس الكتاب
ومجاراة لسخط الخليفة الف الجاحظ رسالته الشهيرة في ذم اخلاق الكتّاب. وفيها يشن عليهم حملة لا تترك لهم محمدة ولا تستر عيبا.
يستعرض تاريخهم فيجده حافلا بالمخازي. منهم اوّل مرتد في الاسلام عبد اللّه بن سعد بن ابي سرح. ومنهم معاوية بن ابي سفيان الذي استكتبه النبي خلفا لعبد اللّه المذكور فكان اوّل من غدر في الاسلام بامامه وقضى على الايمان بآثامه. ومنهم زياد ابن ابيه الذي كان شر ناشئ في الاسلام اذ نقضت في دعوته السنة وظهرت في عهده الجبرية. ثم استكتب الخليفة عثمان بن عفان مروان بن الحكم فخانه في خاتمه واشعل الرعية حربا عليه. وكتب سالم لهشام بن عبد الملك فكان اشد الناس غلطا واضعفهم رأيا، وكتب عبد الحميد لبني مروان فتحامل على نصر بن سيار حتى ثارت به خراسان وزالت دولة الامويين.
وكتب عبد اللّه ابن المقفع لبني العباس فاغرى بهم عبد اللّه بن علي ففطن له وقتل وهدم البيت على صاحبه ... «1» .
بعد هذه الصفحة التاريخية السوداء ينتقل الجاحظ الى صفحة اخلاق الكتّاب فيجد طبائعهم لئيمة، فهم يبغضون بعضهم البعض، وهم قاصرو الثقافة ضيقو افق التفكير بحيث ان احدهم «اذا صارت الدواة امامه وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم ملحه، وروى لبزرجمهر ولاردشير عهده ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفع أدبه وصير كتاب مزدك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته، ظن انه الفاروق «2» الاكبر في التدبير، وابن عباس في العلم والتأويل، ومعاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، وعلي بن ابي طالب في الجرأة على القضاء والاحكام، وابو الهذيل العلاف في الجزء والطفرة، وابراهيم بن سيار
(1) رسالة في ذم اخلاق الكتاب (رسائل الجاحظ، ج 2، ص 189 وما بعدها) .
(2) الفاروق: لقب الخليفة عمر بن الخطاب.