واقاموه في الشمس فكان يرفع رجلا ويضع الاخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده ثم جعلوه في بيت وسد عليه حتى مات بعد ان اشهدوا عليه انه خلع نفسه وذلك سنة 255 ه «1» .
هذه صورة واضحة عن حالة الخلفاء العباسيين منذ عهد المتوكل، انهم العوبة بيد القواد الاتراك، معظمهم خلع او قتل، لا يملكون من الامر شيئا. ونشير هنا ان صاحبنا الجاحظ مات في السنة التي قتل فيها المعتز وخلف المهتدي اي سنة 255 ه. وبذلك يكون قد عاصر اثني عشر خليفة اولهم المهدي وآخرهم المهتدي.
غير ان الجاحظ الذي شهد شباب الدولة العباسية وعنفوانها او عهد الخلفاء الاقوياء كالرشيد والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، عند ما رأى نجم الخلافة يميل الى الافول واحس ببوادر الضعف تسري في عروقها آثر ان يبتعد عن العاصمة بغداد، فتركها قبل مقتل المتوكل سنة 247 ه وعاد الى مسقط رأسه البصرة حيث قضى السنوات القليلة الباقية من عمره منصرفا الى التأليف. وقد تمكن خلالها من اكمال كتاب الحيوان الذي كان قد بدأه ببغداد في عهد المعتصم واتم تصنيف كتاب البيان والتبيين بعد فراغه من كتاب الحيوان وكان قد بدأه في عهد المتوكل.
ومما يلفت النظر طبيعة هذه المؤلفات. لقد غلب عليها الطابع العلمي والادبي وضعف فيها الكلامي. وكأن الجاحظ تعب من الجدل والخصومات المذهبية فأوى الى بيته في موطنه الاول بالبصرة مبتعدا عن السياسة والمماحكات الكلامية منصرفا الى الابحاث العلمية، وقد المح الى ذلك في مطلع الجزء السابع من كتاب الحيوان «2» .
(1) ابن الطقطقي، تاريخ الدول الاسلامية، ص 243.
(2) الحيوان، ج 7، ص 10.