وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان،
قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله [1] :
تصطكّ إلحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها
حتى بلغت إلى قوله:
تجرّ بالأهون من دعائها ... جزّ العجوز الثّنى من كسائها [2]
فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.
فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها» . وليس في اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم في الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:
«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.
وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال [3] :
لعمر الغوانى يوم صحراء أربد ... لقد هيّجت وجدا على ذى توجّد
ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.
وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك [4] :
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.
(1) الموشح 128
(2) فى الموشح: من خفائها. وقال: الخفاء: طرف اللسان.
(3) ديوانه 196.
(4) ديوانه: 372، والموشح: 127.