قال أصحاب الإطناب: المنطق إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والشفاء لا يقع إلّا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشدّه إحاطة بالمعانى، ولا يحاط بالمعانى إحاطة تامّة إلّا بالاستقصاء والإيجاز للخواصّ، والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة، والغبى والفطن، والريض والمرتاض ولمعنى مّا أطيلت الكتب السلطانية في إفهام الرعايا.
والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام وكلّ نوع منه ولكلّ واحد منهما موضع فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب في موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ.
كما روى عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز: متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا. ومتى كانت الكناية في موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا.
وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا في معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر فقال للمختصر وقد نظر في كتابه: ما أرى موضع مزيد. وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان.
وقال غيره: البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل. ولا شكّ في أنّ الكتب الصادرة عن السلاطين في الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النّعم الحادثة، والترغيب في الطاعة، والنّهى عن المعصية، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب ألا ترى أنّ كتاب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارفة:
الحمد لله الذى كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متّصلا بنعمته، وقضى ألّا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع الشكر من خلقه، ثم إنّا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرّنا أكثر مما يسوءنا، ويرون فينا ما يسوءهم أكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله فقطع دابر القوم الذى ظلموا والحمد لله ربّ العالمين.