فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 457

وقال أعرابى: ما رأيت دمعة ترقرق في عين، وتجرى على خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبى. وقال أعرابى وذكر قوما زهّادا فاز قوم أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذى قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال، تركوا النعيم ليتنعموا لهم عبرات متدافعة لا تراهم إلا في وجه عند الله وجيها. ووصف أعرابى واليا فقال: كان إذا ولّى طابق من جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو شاهد معهم، غائب عنهم، فالمحسن آمن، والمسىء خالف. ووصف أعرابى دارا فقال: هى والله معتصرة الدموع، جرّت بها الرياح أذيالها، وحلّت بها السحاب أثقالها. وذكر أعرابى رجلا فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب منه ذا لسانين لم أر أحدا كان أرتق لخلل الرأى منه، كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بطرفه حيث أشار الكرم، يتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب. ووصف أعرابى قومه فقال: كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام سفرت بينهم السهام، بوقوف الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها، فكم من يوم عارم قد أحسنوا أدبه،

وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، وخطب شين [1] ، قد ذللوا مناكبه إنما كانوا كالبحر الذى لا ينكش [2] غماره ولا ينهنه تيّاره. وقيل لأعرابى: يزعم فلان أنه كساك ثوبا، فقال: إن المعروف إذ أمرّ كدّر، وإذا محض أمرّ ومن ضاق قلبه اتسع لسانه.

وذكر أعرابى رجلا فقال: كلامه منقوض آثار القطا وهو مع ذا رثّ عقال المودة، مسودّ وجه الصداقة ولئن كان لبنى الآدميين سباخ إنه لمن سباخ بنى آدم.

وقيل لأعرابى: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلى.

وقال معاوية: العيال أرضة المال. وقال خالد بن صفوان: إياكم ومجانيق الضعفاء [3] .

وقال: لا تضع معروفك عند فاجر، ولا أحمق، ولا لئيم، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفا، والأحمق لا يعرف ما أوتى إليه فيشكره على مقدار عقله، واللئيم سبخة لا ينبت شيئا ولا يثمر ولكن إذا رأيت الثرى فازرع المعروف تحصد الشكر، وأنا الضامن.

وأهدت امرأة من العجم إلى هوى لها في يوم نوروز وردا وكتبت إليه: هذا اليوم أحد [4] فتيان الدهر وشاب [5] أقسامه، والقصف فيه عروس، والورد في البرد كالدر في النّحر وقد بعثت إليك منه مهرا ليومك، فزوّج السرور من النفس، والطرب من القلب، ولا تستقل برا، فإنا لا نستكثر على قبوله شكرا.

وقال آخر في رجل: ماذا تثير الخبرة من دفأن كرمه. وقال أعرابى لخصمه: أما والله لئن هملجت إلى الباطل، إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عنه لتسر عن إليه فاعلم أنه إن لم يعد لك الحق عدلك الباطل، والآخرة من ورائك. وقال آخر: الخط مركب البيان. وقال آخر: القلم لسان اليد. وسمعت بعض الأطباء يقول: الماء مطية الطعام.

وقال الحسن بن وهب لكاتبه: لا ترق ماء معروفى بالمن فإن اعتدادك بالعرف

(1) كذا في ب، وفى ط «شئز» .

(2) لا ينكش غماره: لا ينزف ماؤه.

(3) المجانيق: جمع، واحده منجنيق بفتح الميم وكسرها: القذاف التى ترمى بها الحجارة،

(4) فى ب «واحد» .

(5) فى ط «وشباب» ، وما أثبتناه عن ب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت