فهرس الكتاب

الصفحة 1100 من 1290

ولذا يجتاز اليوم الإيمان بالله أزمة عميقة في بلداننا العربية. فبعد أن افترضنا أن فكرة الله يجب أن تشرح كل ما يبدو لنا غامضا ومغلقا في ظاهرة الطبيعة، وبعد أن رأينا العلم الحديث يشرح بسهولة هذه الظواهر عينها. شاع الاعتقاد بأن ذلك إنما هو انتصار للعلم على الإيمان الديني، وأن الله لن يلبث أن يتقهقر يوما بعد يوم حتى ينبذ نهائيا.

وبما أننا نسبنا إلى الله وظيفة ليست له - الله ليس ظاهرة لا متناهية الصغر أو لا متناهية العظمة - أردنا أن نصلحه هو بإنكاره نهائيا بدلا من أن نصلح ذواتنا. وربما اعتقد البعض أنني أحيد كثيرا عن موضوعي، ولكن هل يظن أن من الصواب بالنسبة إلى حالتنا النفسانية وتربيتنا أن نقبل هذا التناقض الخاطئ بين العلم والدين. فنتعرض لفقدان قيم طالما كانت غالية على قلب شرقنا العربي.

أما الغريزة فتستثمر الإيمان كسلاح وتستعمله كخطة. فلا أكثر مغايرة للإيمان من التهديد، أو استعمال القوة، إلا أن الغريزة خوذة وترسا لأهدافها الهجومية. ولذا يقسو الإيمان بيد الله، إنه أعزل يعرض نفسه على حريتنا، فتتخذ منه الغريزة الخوذة وترسا لأهدافها الهجومية. ولذا يقسو الإيمان في السياسة ويتصلب، وبدلا من وسم الغريزة بروحانيته يتمثل هو بطابع الغريزة اللاعقلي. إن العاقبة التي تهمنا هنا هي أن الدين، إذا تجسد في انفعالات الغريزة والخرافات التي لا طائل تحتها يعطي الغريزة ذرائع -ذرائع مقدمة- للبقاء في جمودها ولرفض كل تطور، عوض أن يكون خميرة تقدم.

وبدلا من أن يكون الله سبب تقدم لا متناه، يمسي علة جمود وركود لا حد لها. إن تربية مصابة بهذا الجرثوم لابد من أن تتجه إلى التعبد للماضي والتقليد، بدلا من أن تتطور وتتكيف مع تغير الحاجات في مجتمع سلك طريق التصنيع.

انتهى ما أردنا نقله والرد عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت