فهرس الكتاب
إن معناه، وظيفة القوة الكيميائية والطبيعية الخرقاء. ولكن ما الذي يجعل هذه الطاقات الخرقاء تعمل عملها بوجه معلوم على الدوام وتدفعه إلى مصير معلوم، وكيف تنظم نشاطها بطريق يوحي إلى طائر ليطير، وسمك ليسبح، وإنسان ليظهر على مسرح الكون بمواهبه الخاصة وكفاءاته المدهشة؟؟. وانزعج الطبيب وقال:
لا تسال عن هذه الحقائق، فإن عالم الطبيعة إنما يخبرك عن شكل الواقع وكيفية وجوده في الكون، ولكنه لا يستطيع الإخبار عن حقيقة الواقع وعن السبب الذي يدفعه إلى حدوثه في ذلك الشكل.
إن هذا الحوار يكشف لنا القناع عن وجه الاكتشافات العلمية، بالرغم مما أعطانا إياه علم الطبيعة من آلات ومرافق وزاد في معلوماتنا زيادة قيمة، ولكنها لا تنوب عن (الدين) ولا تغني الإنسان عنه في أي حال،ـ وإنما هو في حاجة إليه في كل لمحة من حياته مهما تضخمت هذه الاكتشافات وتكدست العلوم الحديثة وتضاعفت ملايين الأضعاف مما هي عليه الآن. وذلك لأن هذه الاكتشافات تخبر بالواقع الموجود، ولكنها لا تجدي علما بالسبب الأخير الذي يبعثه إلى الوجود ومصدره الذي ينبع منه. إن الاكتشافات التي تحملها العلوم الحديثة، إنما هي حلقة متوسطة للواقع والحوادث، على حين الدين حلقة أخيرة لها. وكل شيء يريد أن يحتل محل الدين يجب أن يكتشف الشرح الأخير والكامل للواقع. وأضرب لتلك مثلا:
إذا كانت هناك ماكينة مغطاة بغطاء نعلم عنها أنها تتحرك فقط، ولكن إذا رفعنا الغطاء عن وجهها نرى العجلة التي في خارجها كيف تتحرك بعجلة أخرى في داخلها. ثم تلك العجلة الصغيرة كيف تتحرك بقوة آلات كثيرة في داخلها. وهكذا نستطيع أن نطلع على جميع آلاتها وحركاتها، ولكن ذلك لا يعني أننا كشفنا السر عن وجودها وصانعها. وهل الاطلاع على عمل ماكنة وآلاتها، يعني وجدت بنفسها وبدون أن تكون وراءها يد صانعة؟؟.