بعد هذا يحسن أن نورد براهين أشهر الفلاسفة أقدمين ومحدثين على وجود الخالق ثم نتبعها برأينا الخاص فنقول: (براهين سقراط) سقراط فيلسوف يوناني كان عائثا قبل عيسى عليه السلام بنحو أربعة قرون. قال المسيو بوشيت في كتابه المسمى (التذكرة في تاريخ البراهين على وجود الخالق) قال: إن اعتقاد الأفراد والنوع الإنساني بأسره في الخالق، اعتقادا اضطراريا، قد نشأ قبل حدوث البراهين الدالة على وجوده. ومهما صعد الإنسان بذاكرته في تاريخ طفولته (كذا) فلا يستطيع أن يجد الساعة التي حدثت فيها عقيدته بالخالق، تلك العقيدة التي نشأت صامتة، وصار لها أكبر الآثار في حياته. فقد حدثت هذه العقيدة في أنفسنا ككل المدركات الرئيسية على غير علم منا. ولا شك أنها تحت تأثير الأغاني الأموية (كذا) والدروس التهذيبية الأولى قد نمت تدريجيا، وزادت نموا في أدوار الحياة، سواء بالدرس والبحث أو بالتغيرات التي تحدثها الأحوال على أرق عواطفنا. وكل ما يحدث في طفولة الإنسان يحدث نظيره بالضبط في طفولة الأمم، سواء اعتبرنا ذلك في أول الخليقة أو درسناها في الأزمنة القريبة منا حيث تجمع قبائل وثنية ذات تقاليد خرافية على ديانة جديدة. ففي الحالة الأولى يرينا التاريخ الناس حاملين عقيدة فطرية على وجود قدرة خالقة وحافظة للعالم، وحاكمة بين الناس بالعدل، تكافئ على الحسنة والسيئة، سواء في هذه الدنيا أو في الحياة المستقبلة.
في هذه الدور لم تظهر الشكوك بأي مظهر من مظاهرها، وعلى ذلك لم تك من حاجة تدعو إلى ظهور البراهين المثبتة لوجود الله. وفي الدور الثاني، لم تظهر الحاجة أيضا إلى الاستدلال على وجود الخالق بالبرهان والعقل والفكر، والرجال الذين يتصدون لنشر هذه العقيدة جعلوها أرقى من أن يجادل فيها وأبدوا دعاويهم بإحداث المعجزات أو بالانتصارات الباهرة.