قال محمد تقي الدين: الهيولي عند الفلاسفة هي مادة الكون التي منها تنشأ الصور والأشكال كالحيوان والنبات والجماد بجميع أنواعها، وإذا فنيت هذه الأشياء تصير هيولي كما كانت من قبل، وشبهها ابن عربي الحاتمي بالخشب، بالنسبة إلى الكراسي والموائد وألواح الكتابة والمقاعد والأسرة والسفن والقوارب والبيوت الخشبية، كل ذلك، وإن اختلفت صوره وأسماءه فهو ناشئ من الخشب، فمادته واحدة. وشبهها غيره بالبحر وأمواجه، فالأمواج، وإن اختلفت بالكبر والصغر، فهي راجعة إلى ماء البحر، ويمكن أن تشبه بالشمع الذي تصنع منه تماثيل حيوانات من أشكال الحلوى يشتريها الصبيان في العيد يفرحون بها، ثم يأكلونها، فالخشب هيولي الأدوات والأواني التي تصنع منه، وماء البحر هيولي الأمواج التي تثور منه. والشمع هيولي التماثيل التي تصنع منه. وما قاله ديكارت في الهيولي قد سبقه إليه الفلاسفة الأقدمون من اليونانيين والهنود فأفضى بهم ذلك إلى عقيدة وحدة الوجود، فزعموا أن المخلوق هو عين الخالق - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
وأنا لم أسق كلام ديكارت وغيره من الفلاسفة موافقة لهم في آرائهم، وإنما سقته حجة على أدعياء الفلسفة من أهل هذا الزمان في زعمهم أن الفلسفة أوجبت عليهم الإلحاد والتعطيل. وإذا تأملت الدليل الثاني من أدلة ديكارت الثلاثة يتبين لك أنه لا يقصد ظاهرة تلك العبارة، بل ينزه الله عن مشابهة خلقه ويوحده، ولا يقول بوحدة الوجود. وكذلك ما تقدم من كلام أرسطو يدل على تنزيه الله تعالى عن مجانسة خلقه.
هذا وموعدنا المقال التالي بحول الله.