فهرس الكتاب
والدليل على أنه مجاز قوله بعد ذلك:
أقناه قيل الله للشمس اطلعي *** حتى إذا واراك أفق فارجعي
هذا الشعر من مشطور الرجز وهو لأبي النجم العجلي وأم الخيار زوجته وكانت تعيب عليه صلع رأسه لكبر سنه وكانت ابنة عمه بدليل قوله في موضع آخر من القصيدة:
يا ابنة عما لا تلومي واهجعي *** لا تسمعيني منك ما لم أسمع
يمشي كمشي الأهدأ المكتع *** ألم يكن ببيض لو لم يصلع
فهي تعيب عليه شيخوخته وما يلازمها من الانحناء والإكباب فإن الإهداء هو الذي يمشي منحنيا مكبا كأنه راكع ، والمكتع المتقبض: يقول لها: ابنة عمي لا تلوميني على كبر سني وضعفي وصلع رأسي فإنه لو لم يصلع وبقي فيه شعره لصار أبيض بالشيب وأنت تكرهين رؤية الشيب كما تكرهين الصلع. فالشاهد في قوله ميز عنه قنزعا عن قنزع. وجذب الليالي أي فرق شعر الرأس حتى صار قنازع مجموعة شعيرات هنا وأخرى هناك. جذب الليالي: اختلافها ذهابا ومجيئا يعني أن سبب الصلع كثرة الليالي التي مرت عليه حتى طعن في السن فإسناد ميز إلى جذب الليالي من المجاز العقلي لأن الشاعر لا يعتقد أن شيخوخته هي التي جعلته أصلع وإنما هي سبب الصلع والفاعل الحقيقي هو الله سبحانه بدليل قوله فيما بعد: أفناه قيل الله للشمس اطلعي يعني أفنى شعر رأسه قول الله للشمس اطلعي كل يوم. وقوله حتى إذا واراك أفق فارجعي دليل قاطع على أن العرب من قديم الزمان وإن لم يشتهروا بتعاطي العلوم بل كانوا أمة أمية أكثرهم لا يكتبون ولا يقرؤون كانوا يعرفون أن الأرض كرة وأن الشمس حين تغيب عن قوم تكون مشرقة عند قوم آخرين لأنها لم تنعدم وإنما سترها أفق أي جانب من الأرض وأن الله هو الذي أمرها بذلك كما كانوا يعلمون أن المطر ينشئ سحابا من البحر حتى إذا علا السحاب في الجو وبرد ساقته الرياح إلى الأرض التي يريد الله أن ينزل فيها المطر فينزل المطر بقدرة الله ، يدلك على ذلك قول شاعرهم:
شربن بماء البحر ثم ترفعت *** متن لجج خضر لهن نئيجُ