هكذا كان ينظر القدماء، أوجلهم، إلى الأدب: تحفظ الشاهد لترويه، وتقرأ المثل لتحكيه. أما أن الأدب فن يمثل ألوان الحياة من خير وشر، وحسن وقبح، ويكشف عن خوالج النفس ولواعج القلب فذلك شيء لا يكاد يعرفه أدباء العرب الأقدمين (كذا) ولهذا ترى كتبهم الأدبية مشحونة بالأخبار المتنوعة، والطرف الأدبية المختلفة بالمعاني (كذا) والقطع الفنية، ولكنهم جمعوها بعضا لبعض، وألفوها كتبا أدبية. وقل ( كذا ) سموها كتبا أدبية... وكلها مضطربة سيئة الترتيب والانسجام (كذا) لا يعرف لها بداية ولا نهاية، ولا أثر في ترتيب الخواطر والأفكار... وسبب هذا الاضطراب هو فهمهم الأدب على نحو يخالف النحو الذي نفهمه الآن، فنحن الآن نفهم الأدب كضرورة (كذا) من ضرورات الحياة، وكثيرا ما ندرسه؛ لكي نزداد شعورا وجمالا (كذا) بهذه الحياة.
أما العرب القدماء فلم يكونوا يذهبون في فهم الأدب هذا المذهب. وإنما يحسبون الأدب مجموعة أخبار منوعة (كذا) النواحي والغايات، وحسبك أن تعلم أن ابن خلدون حينما أراد أن يذكر تعريف العرب للأدب لم يزد على قوله:"ثم إنهم حين أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف".
وهو تعريف ظاهر الفساد في كل كلمة من كلماته؛ فليس الأديب هو الذي يحفظ أشعار العرب وحدها ؟ فرب أديب قرأ الكثير من أشعار العرب، ولم يحتج إلى حفظها ليكون أديبا، ورب امرئ حفظا الكثير من أشعار العرب، ومع ذلك ليس بذي حق أن يسمى أديبا؛ لأنه لا يستطيع الإجادة بهذا (كذا) الفن إجادة تستهوي القارئ، وتجلب (كذا) لبه. وقل مثل هذا عن أخبار العرب التي ذكرها ابن خلدون في تعريف الأدب، فليس من وظائف الأديب أن يلم بأخبار العرب، وفيها من السخف الشيء الكثير ليدعى الأديب ؟؟؟....