فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1290

و- سلمنا جدلا أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أراد بقوله:"وكفاك من الأدب أن تروي الشاهد والمثل"حصر على علم في رواية المثل والشاهد فهو معقول عند من له معقول، وهو يقول ما يعرف، ويعرف ما يقول ويعنيه، ويذهب إليه؛ لأن الرجل الذي يروي الشاهد إما أن يرويه ويستشهد به على لا شيء- وهو باطل؛ لأنه لا يسمى شاهدا إلا إذا شهد لحكم من الأحكام أو أمر من الأمور بالصحة- وإما أن يرويه ليبرهن به على صحة مدعاه، وجعله مقبولا عند السامع والقارئ. ولا يتيسر ذلك إلا للأديب، فهو الذي يدعم حديثه بالشواهد التي تذعن لها النفوس، وتستولي عل الألباب، وتدخل الآذان بغير استئذان.

ثم إن قوله: وتروي المثل، إما أن يتمثل به بعد روايته في لا شيء- وهو فاسد غير معقول- أو يتمثل به في موضعه الذي ينبغي أن يورد فيه، ويرصع به إنشاءه، ويضربه؛ ليخلب به قلب القارئ، ويأسر به لبه، ويطربه، وهذا من اخص أوصاف الأديب مطلقا في كل زمان ومكان وبأي لسان، وفيه يتنافس المتنافسون، ولا يظفر به إلا نوابغ الأدباء؛ والتمثيل يفعل بالنفوس ما تفعله الخمر والسحر، فمتى كان الكلام مدعما بالشواهد مزينا بالأمثال، كل منها قد حل محله اللائق به، فذلك هو الأدب بعينه. فكلام محمد بن علي- وإن لم يقصد به تعريف الأدب- فإنه اشتمل على خاصيتين عظيمتين من خواص الأديب. وأنا على يقين أن أدباء العصر الذين يريد كاتب المقال أن يحشر نفسه ويده فيهم يرون أن ما رواه الجاحظ عن محمد بن علي من درر الأدب الثمينة التي لا تبلى؛ لملاءمتها لكل زمان ومكان ولغة، كما مر، ولكن يرحم الله القائل:

سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي *** ولا أنثر الدر النفيس إلى الغنم

مجلة الفتح: السنة العاشرة، العدد 456 ص 146-148

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت