فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 1290

ثم استولى المولى محمد بن الشريف على ندرومة وتلمسان، وما يحيط بهما من القبائل، وتصدت له الحامية التركية التي كانت في تلمسان، فهزمها شر هزيمة، وقدم عليه محمود شيخ حميان مع أعيان قبيلته وبايعه، ودخل في طاعته، ووصل إلى عين ماضي والأغواط في الناحية الشرقية من الجزائر، واستبشرت قبائل العرب كلها في الجزائر بهذا الأمير الميمون، وكانوا كارهين لحكم الأتراك المغيرين المغتصبين، ثم رجع الأمير سالما غانما منصورا مظفرا، بعد ما شب نيران الحرب في الإيالة التركية، ونسفها نسفا، وضرب أولها بآخرها، كما يقول الناصري في الاستقصا، وخاف الأتراك على أنفسهم، فاستعملوا العقل والحكمة وبعثوا وفدا مؤلفا من عالمين وقائدين تركيين، فوصلوا إلى سجلماسة، ومعهم كتاب من رئيسهم عثمان باشا يناشد المولى محمد بن الشريف الله، ويحاكموه إلى شريعة جده محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول له: نحن مسلمون، فبما ذا تستحلون قتالنا ؟

فتأثر الأمير محمد بهذه الرسالة، وأخذته القشعريرة وقال: والله ما أوقعنا في هذه المحذورة إلا شياطين العرب، انتصروا بنا على أعدائهم، وأوقعونا في معصية الله، وأبلغناهم غرضهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وإني أعاهد الله تعالى لا أعرض بعد هذا اليوم لبلادكم ولا لرعيتكم بسوء، وإني أعطيكم ذمة الله، وذمة رسوله، لا قطعت وادي تافنا إلى ناحيتكم إلا فيما يرضي الله ورسوله. وكتب لهم بذلك عهدا إلى صاحب الجزائر، وقنع بما فتح الله عليه من سجلماسة ودرعة وأعمالهما. انتهى.

وهذا الموقف الذي وقفه هذا الأمير الجليل يدل على خوف من الله، واتهام للنفس، ووقوف عند حدود الشريعة، وتعظيم لحرماتها، مع أنه لو أراد أن يتأول، لكان له في التأويل مجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت