فقال: لم أكذبك. و العرب تقول زعمت دون أن تقصد التكذيب، كما تقولها مع التكذيب.
قلت: قد قال الشافعي رحمه الله: كل زعم في كتاب الله فهو باطل. قال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} .
فقال: صدق الشافعي. ذلك في القرآن. و قد ورد في الحديث و كلام العرب استعمال زعم بدون قصد التكذيب. فدع الحدة و أخبرني لماذا لم تهتم دول المحور بالمغرب، مع أنه يعاني شرا مما تعاني البلدان التي في يد بريطانية ؟
فقلت: لأن المغرب في يد فرنسة. و فرنسة اليوم منهدمة مطحونة (مخلي دار بوها) لا يعبأ بها و لا بما تحت يدها. والعبد و ما كسب لسيده.
فقال: آه، ما أبلدني، الآن عرفت. سامحني يا أخي لقد أتعبتك.
فقلت: سامحك الله. و على كل حال فإن تحرير بلدان إخواننا العرب و الهنود إذا تم يسرنا كثيرا. و قد قال الصوفية: الناجي منا يأخذ بيد صاحبه و إن لم يأخذوا بأيدينا فقد قال الشاعر:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا *** خراش و بعض الشر أهون من بعض
هذا و لم تقتصر دولتا المحور على التصريح باستقلال مصر بل ضمتا إليها السودان أيضا. و قالتا إن هذا الاستقلال لن يكون مقيدا أعزل كالاستقلال الذي أعطته إياها بريطانية. بل يكون مطلقا و معززا بجيش مسلح يحمي الحمى، و لو كان المغاربة اليوم في يد بريطانية بدلا من فرنسة لم يكن لهم بد من الصلي بنار الحرب. و هم قوم يحبون العافية على حال، و يفضلونها على الغنيمة.
فقال لي صاحبي: و هل سلم المغاربة من ويلات الحرب؟ ألم تقدم فرنسة رجالهم و أموالهم طعمة لحربها الخاسرة؟ ثم رجعت عليهم بعد كسرتها فأكلت ما بقي بأيديهم و لا تزال تنهب حتى الآن. فيا ويلتي من فرنسة إن غلبت و يا ويلتي منها مرتين إن هزمت و غلبت فهي بئس القرين. من قرن معها لا يفارقه الشقاء أبدا حتى تفارقه الحياة أو تفارقه فرنسة.
ثم قال لي صاحبي: الآن تذكرت لك مسألة عويصة فاشدد حيازيمك للجواب.