والتفاضل بين الناس إنما يكون بالأعمال، فعمل الإنسان هو الذي يرفعه أو يخفضه، وعليه يثاب أو يعاقب، قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها} وقال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} أي أعلاكم منزلة عند الله أكثركم تقوى . والتقوى اجتناب ما نهى الله عنه وامتثال ما أمر الله به، {إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون} .
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم، قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله بن خليل الله، قالوا: ليس عن هذه نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني قالوا: نعم، قال: فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكرم الناس لم يتبادر إلى ذهنه الكريم إلا الكرم الذي يجيء من العمل، فلذلك أجاب بقوله: أكرمهم عند الله أتقاهم. فهكذا ينبغي لكل مسلم وكل منصف أن لا يفكر عند التفاضل إلا في العمل، ولا يفكر في جنس ولا لون ولا نسب ولا حسب. ولما علم أن السائلين لا يقصدون بسؤالهم التفاضل بالعمل وحده ظهر له أنهم يقصدون الحسب، وهو مفاخر الآباء، فأجاب عليه الصلاة والسلام بقوله: يوسف نبي الله بن نبي الله بن خليل الله، فلم ينظر نظرة ضيقة إلى العرب وحدهم، و هو عربي والسائلون من العرب، بل ذهب فكره الشريف إلى الحقيقة الواقعة، فأخبر أن أكرم الناس من حيث الحسب يوجد في الأمة الإسرائيلية، فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين.