هذا هو الإنصاف المحمدي الذي ينبغي أن يضرب به المثل، لا الديمقراطية. ولما علم أن السائلين لا يريدون التفاضل الآتي من حسب الآباء وعلو مرتبتهم، وإنما يريدون تفاضلا محصورا في العرب أجابهم بجواب حكيم متواضع كريم فقال: خيارهم في الجاهلية، هم خيارهم في الإسلام بزيادة شرط واحد، وهو التفقه في الدين علما وعملا. فكل من كان شريفا في الجاهلية بخلقه وعمله فهو شريف في الإسلام إذا تفقه في دين الله وتمسك به. أما إذا لم يتفقه في الدين ولم يتمسك به، فهو من شرار العرب ان كان عربيا، وإن لم يكن عربيا فهو من شرار قومه، فرجع الأمر إلى الخلق والعمل، وطابق الختام الابتداء.
فبماذا يسود السيد عند العرب؟ بانتسابه إلى بيت ملك، كما هو الشأن عند العجم الجواب نجده في شعر العرب، وهو ديوانهم، قال شاعرهم:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر *** وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة *** أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي *** أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
وقال غيره:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى *** وكونك إياه عليك يسير
وقال آخر:
هما سيدانا يزعمان وإنما *** يسوداننا إن يسرت غنماهما
فالسيد عند العرب هو الذي يحمي الحمى بشجاعته، ويبذل القرى بكرمه ويحلم على الجاهل، وينصر المظلوم، ويكرم اليتيم، ويعين الضعيف. فمن اتصف بهذه الخصال وما والاها وتفقه في الدين، وتمسك به فهو السيد المفضل على من لم يبلغ منزلته في ذلك.