فهرس الكتاب
و أما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية من بعده ، أو علم ينتفع به ) )، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه و كده و عمله كما جاء في الحديث: (( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، و أن ولده من كسبه ) )، و الصدقة الجارية كالوقف و نحوه هي من آثار عمله ووقفه ، و قد قال تعالى: { إنا نحن نحيي الموتى و نكتب ما قدموا و آثارهم } (1) الآية . و العلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه و عمله و ثبت في الصحيح (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ) )، و قوله تعالى: { و أن ليس للإنسان إلا ما سعى . و أن سعيه سوف يرى } أي يوم القيامة كقوله تعالى: { و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون و ستردون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } (2) أي فيخبركم به و يجزيكم عليه الجزاء الأوفى أي الأوفر )) انتهى .
قال محمد تقي الدين: و من ذلك تعلم أن ما زعمه (( البوعصامي ) )العامي من أن عمر رضي الله عنه أوصى بقراءة الفاتحة و خاتمة البقرة ( كذا ) و عزاه إلى (( المشارق ) ) (3) كذب و افتراء على عمر ، و حقه أن يعزى إلى المغارب لا إلى المشارق لبطلانه فهو غارب و ليس بشارق . فمن رواه ؟ و أين إسناده ؟ و من صححه أو حسنه ؟ ، و هل كتاب المشارق على فرض صحة نسبته إليه قرآن لا يحتاج إلى سنده ، أو أحد الصحيحين ، أو أحد الكتب الستة و ما يقاربها ؟ ، فهذا يكون الإفلاس و الالتجاء إلى بنيان الطريق .
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم
(1) يس: 12 .
(2) التوبة: 105 .
(3) قال راقمه: لعله كتاب (( مشارق الأنوار ) )و هو إما لابن العربي المالكي أو لـ الباجي الأندلسي .