فهرس الكتاب
وذلك أننا كنا في شهر رمضان وفي ذات يوم دعاني العمدة الحقيقي وهو رجل ملحد إلى العشاء فأجبته، وألقيت كلمة أمامه فقال لي: أنا على الحياد لست معك ولا مع خصومك يعني شيخ الطريقة والعمدة المرفوت، ولكن عقيدتكم أنتم أقرب إلى العقل من عقيدتهم لأن عبادة القبور وشيوخ الطريقة إهانة للكرامة الإنسانية.
ولما انصرفت من عنده كان طريقي يمر على باب قصر العمدة المرفوت فلما حاذيت بابه جاءني شيخ الطريقة وسلم علي وقال: إن سعادة العمدة يدعوك إلى فنجان قهوة فقلت: عندي الآن درس، فقال لي: لا يستحسن أن ترد دعوته ولا تزيد على خمس دقائق، فذهب بي حتى أدخلني إلى مقصورة وجدت فيها شيخا ذا عمامة ولحية فظهر لي أنه هو العالم الأزهري الذي دعي إلى مناظرتي، وكان ظني صادقا فلم يكد المجلس يستقر بي حتى هجم علي الأستاذ الأزهري وقال لي: يا فلان بلغني أنك تقول كذا وكذا وكذا وعدد مسائل من التوحيد وأتباع السنة فقلت له: أما كذا وكذا فقلته حقا وذكرت له دليله وأما كذا وكذا فلم أقله. ووقعت المناظرة فعلا، فحانت مني التفاتة فرأيت حديقة القصر كلها عمائم وقلانس لم يبق أحد من أهل البلد إلا حضر وتركوا لذلك صلاة التراويح فلم تزد المناظرة على نصف ساعة وكان الأستاذ الأزهري نسيت اسمه الآن من خيرة علماء الأزهر فجعل يقول في أثناء المناظرة أشهدكم أني رجعت عن كل ما قلته في هذا الأستاذ المغربي؛ فإن الناس نقلوا لي عنه مسائل مكذوبة عليه، وأشهد أنه من العلماء المحققين وإن كنت أخالفه في بعض المسائل. فعند ذلك علم العمدة المرفوت أنه أخفق في سعيه، فقال: أيها الأستاذ أرجوكم أن تقطعوا هذه المناظرة أنا ما دعوت الأستاذ المغربي إلى المناظرة، وإنما دعوته لأتعرف به ويشرب عندي فنجانا من القهوة، فانتهت المناظرة على ما يحبه أصحابنا ويكرهه خصومنا، ومن رأي أني أبعد عن المناظرة وأتجنبها فإذا اضطررت إليها استعنت بالله وخضت غمارها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: