فهرس الكتاب
وهل علمت يا مسكين أنني أول ما لقيت المجاهد الكبير السيد أمين الحسيني في برلين نوه بجهادي ومحاربتي للاستعمار بلساني وقلمي وخطبي المجلجلة في إذاعة برلين العربية التي كان يهتز لها طربا كل مجاهد مخلص في الشرق والغرب، وكان يشرق بها كل مدجل من عبيد الاستعمار خائن غدار. وبلغ صاحب السماحة الحاج أمين الحسيني- بارك الله في حياته- من تعظيمي إلى أن قال ذات يوم للزعيم رشيد عالي الكيلاني- كبير آل الشيخ عبد القادر الكيلاني ورئيس وزراء العراق سابقا الذي قاد ثورة مروعة على الاستعمار البريطاني في العراق- قال له ما نصه: أسأل الله ألا يحرمنا من وجود أمثال الدكتور محمد تقي الدين الهلالي، وقال كلاما أعظم من هذا تركته اقتصادا، واستمر على التنويه بجهادي إلى يومنا هذا. وآخر مرة نوه بجهادي كانت في قصره بظاهر بيروت في الصيف الماضي حين دعاني إلى مأدبة جمعت خلفا كثيرا من أهل الفضل والعلم والأدب.
وأورد لك هنا أيها المسكين شهادة أخرى وزنها عند المجاهدين ثقيل ألا وهي شهادة المجاهد المغربي العظيم السيد محمد بن عبد الكريم قائد ثورة الريف المشهورة التي بهرت العالم، لأنه حارب دولتين أوروبيتين هما فرنسة وإسبانية لمدة سنتين لما ذهبت لزيارته بالقاهرة في صيف سنة سبع وأربعين وتسعمائة وألف بتاريخ النصارى كان مريضا في الطبقة الرابعة ملازما للفراش، وجاء خلق كثير إلى مقصورة الاستقبال من الصحفيين ورجال الدولة المبرزين فاستقبلهم أخوه وسميه المجاهد محمد بن عبد الكريم واعتذر في الحال بأن أحضر عنده فجلست على كرسي إلى جانب سريره، فتلقاني بغية الشوق والمحبة والترحيب وقال لي: لم يكن شيء يسليني في منفاي وغربتي مثل خطبك البليغة الرائعة التي كنت تلقيها في إذاعة برلين العربية، فأثنيت على جهاده وفضله فقال لي: أنت مجاهد أكثر مني، وما كنت لأغتر بهذه الكلمة التي صدرت من هذا الرجل العظيم لشدة إعجابه بتلك الخطب.