فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 1290

كان هذا الشيخ أكبر مفت في شمال المغرب، وتقدم أنه كان قد تولى وزارة العدل مدة من الزمان، وكان- كأكثر المفتين- من المقلدة الأغمار إذا جاء أحدهم سائل عن حكم قضائي يقول له مثلا: تعطيني الآن نقدا خمسمائة درهم أجرة البحث في كتب الفقه، فإن وجدت لك قولا يمكنك من الغلبة على خصمك تعطيني خمسة آلاف درهم، وإن لم أجد شيئا لم آخذ منك إلا ما تقدم، فإذا وجد له قولا من أقوال مجتهدي المذهب ينصر قضيته أخذ منه المقدار المشروط وأعطاه الفتوى، وإن لم يجد شيئا غنم خمسمائة درهم وصرفه. كذلك خصمه يذهب إلى مفت آخر فيعامله بالمعاملة نفسها، فإذا اجتمعت الحجج والفتاوى عند القاضي في مدة سنين طويلة وكان نزيها لا يأخذ رشوة- وذلك نادر- يرجح إحدى الفتويين ويحكم لصاحبها بغير ما أنزل الله، فيحل الفروج ويسفك الدماء في زمان الاستقلال. أما في زمان الاستعمار فإن أحكام القتل والجروح جعلت لها محاكم عرفية، وعزلت المحاكم الشرعية عنها، وكذلك ينقل الأموال من ملك زيد إلى ملك عمرو بآراء الرجال التي ما أنزل الله بها من سلطان فينطبق عليه { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] والظالمون الفاسقون وهذا أمر معروف في بلاد المغرب لا يزال العمل جاريا به.

* فتوى الشيخ المتصوف *

أما هذا الشيخ العارف باللاهي لا بالله فقد أفتى فتويين متناقضتين غريبتين عجيبتين:

وقعت خصومة على مال بين تاجرين مغربيين أحدهما يهودي والأخر مسلم، فانطلق اليهودي إلى الشيخ المفتي فعامله بالمعاملة التي تقدم ذكرها وأخذ منه آلافا من الدراهم وأصدر له فتوى تحتم على القاضي أن يحكم له، فقال القاضي للتاجر المسلم: هات ما ينفعك من الحجج، فذهبت زوجته وكانت إسبانية إلى المفتي نفسه الشيخ المتصوف العارف وسلمت له ستة آلاف درهم فأصدر لها فتوى تحتم على القاضي أن يحكم لزوجها على خصمه اليهودي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت