فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 1290

وكانت المحاكمات في زمان الاستعمار كلها تترجم باللغة الإسبانية ويطلع عليها الحكام الإسبانيون قبل إصدار الحكم، فترجمت الفتويان المتناقضتان ورفعتا من حاكم إلى حاكم حتى بلغتا إلى المقيم العام وهو الحاكم الأعلى فغضب غضبا شديدا، وكتب إلى خليفة السلطان مولاي الحسن بن المهدي يقول: نحن لم نرد أن نتدخل في شريعتكم فتركناكم أحرارا تحكمون في محاكمكم بشريعتكم، وأنتم تزعمون أن هذه الشريعة وضعها لكم محمد، وهو أخذها من القرآن الذي هو كلام الله حسب اعتقادكم، فانظر إلى هاتين الفتويين المتناقضتين الصادرتين من مفت واحد يقول: إن الشريعة الإسلامية تجعل الحق لليهودي ولخصمه في قضية واحدة؛ فإما أن تكون شريعتكم في أصلها فاسدة باطلة، وإما أن تكونوا قد كذبتم على الله وعلى محمد. هذا معنى ما كتب به المقيم العام إلى خليفة السلطان في شمال المغرب.

فلما قرأ الخليفة كتاب المقيم العام أصابه من الغم والحزن ما كاد يقتله، فدعا الوزراء والمستشارين وغضب عليهم غضبا شديدا وقال: ألا ترون إلى هذا المجرم كيف فضحنا عند الأجانب وألصق بشريعتنا كذبا وزورا وطمعا هذا الخزي، فماذا يستحق من العقاب؟ فقالوا كلهم الرأي لسيدنا فقال: اتقوا الله وقولوا ما أوجب الله عليكم فأعادوا جوابهم. فقال: أنا أحكم عليه بالعزل من جميع المناصب الدينية والعلمية والدنيوية، ولو قدرت على أكثر من هذا لحكمت عليه به، فعزل من الإمامة والخطابة والوعظ والشهادة ولم يبق له شيء إلا منصبا واحدا وهو رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، لأن هذه لم تكن بيد الخليفة بل كانت بيد المستعمرين الإسبانيين ولكن الإسبانيين لما رأوا الخليفة قد عزله من جميع المناصب التي في يده عزلوه هم أيضا من رئاسة المجلس الإسلامي فبقي لا يجد ما ينفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت