فهرس الكتاب
جاءني ذات يوم شخص مغربي فدعاني بقوله: إن الحاكم الإسباني فلانا يدعوك للحضور في مكتبه فانطلقت معه حتى وصلت إلى مكتب فخم يجلس فيه شاب إسباني فقام وصافحني، وأشار على بالجلوس وقال لي: أبشرك بأن المقيم العام قد أسند إليك منصبا شريفا وهو إدارة خزانة معهد الباحثين، وهذا المنصب عندنا في إسبانيا لا نولي فيه إلا كبار العلماء الذين يعرفون أصناف العلوم والكتب المؤلفة فيها، ويرشدون الباحثين والمؤلفين إلى الكتب التي تفيدهم في بحوثهم، وجعلنا لك راتبا قدره ثلاثمائة بسيطة فباشر عملك على بركة الله، فقلت له: كيف تسندون إلى هذا المنصب دون أن تستشيروني وتعرفوا رأيي في قبوله؟ فظهرت على وجهه أمارات الاستغراب وقال لي: لم نستشرك لأنه لم يخطر ببالنا أنك تتردد في قبوله، ولو عينا غيرك فيه من المغاربة لتلقاه بفرح عظيم واستبشر وبشر أصدقاءه وأقام مأدبة كوليمة العرس، وهذه عادتنا في إسناد المناصب، فقلت له: أنا لا أقبل هذا المنصب. فقال لي: كيف لا تقبله وقد عينك فيه المقيم العام؟! فقلت له: إن المقيم العام لا يعرفني ولا بد أن يكون قد استشار ذوي رأيه قبل أن يسنده إلي فأشاروا عليه دون أن يعرفوا رأيي فعليهم يقع اللوم، ثم أعاد الإلحاح فأعدت الرفض وانصرفت من عنده. وعند نهاية ذلك الشهر كنت في دكان السيد محمد العبودي الذي تقدم ذكره وإذا بموزع الرواتب يقبل على متقلدا حقيبته الكبيرة ويفتحها ويخرج دفترا ويطلب مني التوقيع على قبض الراتب، فقلت له: أنا لا أقبض هذا الراتب لأنني رفضت المنصب، ولم أشتغل فبأي وجه آخذ راتبا؟ فقال لي: من ذا الذي يأتيه راتب ويرده؟! فقلت له: أنا ذلك الرجل الذي لا يأخذ شيئا من المال إلا بوجه شرعي لا يخل بالمروءة فانصرف.