فهرس الكتاب
ثم سافرت إلى كلكتا وهي قاعدة بلا بنكال ولقيت بها نابغة الهند في العلم والأدب والسياسة أبا الكلام آزاد، فرحب بي وبقيت في ضيافته بإلحاح منه خمسة عشر يومًا وكان له كاتب اسمه عبد الرزاق المليح آبادي وهو الذي يحرر صحيفة عربية كان ينشرها أبو الكلام، فالتمس مني أبو الكلام أن أنشر فيها ما يتيسر من المقالات فنشرت فيها ثلاث مقالات في أخبار البربر وأحوالهم ولغتهم، وكان أبو الكلام لا يفرق بين البربر الذين هم أمة عظيمة في المغرب تمتد الأراضي التي يسكنونها من حدود مصر شرقًا إلى حدود سنغال غربًا، وتشمل على ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا كما تسمى هذه البلدان في هذا الزمان، لا يفرق بين هذه الأمة وبين سكان (بربرة) في السودان فأخبرته بالفروق الكثيرة التي بين الفريقين واهتم بذلك كثيرًا. فإن قيل: إن الناس في المشرق العربي يعتقدون أن هذه البلدان عربية فكيف جعلتها بربرية؟ فالجواب: إن سكان هذه البلدان الأصليين هم البربر، وقد نزح إليها العرب في أول الفتح الإسلامي، وفي القرن السادس الهجري كما في مقدمة ابن خلدون عند ذكر بني هلال وبني عامر وهؤلاء العرب النازحون عددهم قليل جدًا بالنسبة إلى السكان الأصليين ولكن الإسلام وحدّ بينهم وجعلهم أمة واحدة لا فضل لأحد الفريقين على غيره إلا بتقوى الله، وبطول الزمان انتشرت اللغة العربية في هذه البلدان فصارت أكثر الحواضر تتكلم بها وعلى هذا يصح أن نسميهم عربًا مستعربة ولكن إلى هذه الساعة لا يزال نحو نصف سكان هذه البلدان يتكلمون بالبربرية، والخطب في ذلك سهل فإن البربر من الشعوب التي خرجت من جزيرة العرب قبل زمان سحيق في القد، ونحن معشر طلبة علم اللغات لا نشك في ذلك كما أن الواحد نصف الاثنين ولذكر الأدلة على ذلك مقام آخر.