فهرس الكتاب
كنت قد طلبت من الشيخ عبد الله بن حسن رئيس القضاة تغمده الله برحمته أن أخرج إلى القرى والبوادي للدعوة إلى الله تعالى في بعض الأحيان، فاستحسن ذلك كل الاستحسان وأمر الأمير عبد العزيز بن إبراهيم أن يهيئ لي راحلتين ورجلا يرافقني فأجاب إلى ذلك ووعد به، فلما طالبته بالوفاء اقترح علي أن أذهب إلى الجرف والعوالي ولم يكن غرضي ذلك لأن أهل هذه القرى شيعة لا يكادون يقبلون شيئا من واعظ سني، وإنما كان مرادي التوجه إلى البوادي السنية في ناحية الحناكية وغيرها من قبائل حرب وكان بعضهم متدينا وبعضهم لا يزال على الجاهلية الأخرى، فأخبرت بذلك الأمير فقال: ابدأ بالأقربين وبعد ذلك أهيئ لك السفر إلى غيرهم، واخترت الشيخ الحميدي بن رديعان أحد الأئمة غي المسجد النبوي وكان شيخا صالحا من أهل حائل لمرافقتي، فذهبنا إلى القرى المحيطة بالمدينة فلم نجد أحدا منهم ثأثر بدعوتنا إلا رجلا في الجرف وأظنه كان سنيا أما الباقون فإنهم كانوا يضيفوننا ولا يظهر عليهم أثر القبول.
وكررت الطلب على الأمير أن يهيئ لي أسباب السفر إلى الحناكية ونواحيها فكان يماطل، فاتفقت مع الأمير ماجد بن موقد أمير عوف القاطن في قرية النخيل وسافرت معه إلى النخيل بدون استئذان الأمير وبقيت هناك زهاء شهر. وأشهد بالله أنني ما مرت علي في حياتي كلها أيام صفا فيها قلبي وازداد إيماني وإقبالي على ذكر الله تعالى مثل تلك الأيام. وكانت معيشتهم في غالب الأوقات بل في كلها اللبن المخيض فقط إلا إذا جاءهم ضيف فإنهم يذبحون له ذبيحة ويبحثون عن شيء من الأرز من أردا أصنافه فيطبخونه نصف طبخ فلا أستسيغه، وكذلك اللحم يطبخونه نصف طبخ ولكني كنت آكل من الألية لأنها تنضج بأدنى طبخ، ومع ذلك كانت عندي تلك المعيشة أحسن من موائد الأمراء والمترفين وسأشير إلى ذلك في القصيدة الآتية إن شاء الله.