ألم تعلمي أن الملام وإن غدا ... عديما من الجدوى فبالحب قد يغري
وطفت بلاد الله شرقا ومغربا ... على قدمي طورا وطورا على مهر
وأنضيت بعرانا (1) وحلقت في السما ... على جائبات الجو كالنجم إذ يسري
وطورا على فلك عظيم كأنه ... ثبير (2) يروع الحوت في لجة البحر
حليف اغتراب في ثواء ورحلة ... وإن كنت في أهل كثير ذوي وفر
(وما غربة الإنسان من شقة النوى ... ولكنها) في الدين والخلق والبر
إلى الله أشكو غربة الدين والهدى ... وطغيان أهل الكفر والفسق والغدر
ومن يقل سنات الرسول فإنه ... يعذب في الدنيا وفي فتنة القبر
ويسأله فيه نكير ومنكر ... وما من جواب عنده غير لا أدري
وذي سنة الجبار في كل من غدا ... يحارب دبن الله في السر والجهر
ألم تدر أن الله ناصر دينه ... وموقع أهل البغي في دارة الخسر
وكم قد سعى ساع لإطفاء نوره ... بكيد فرد الله كيده في النحر
وتنصر إشراكًا وفسقًا وبدعة ... وناصر هذا خاسر أبد الدهر
دعا المصطفى قدمًا عليه بلعنة ... ومن يلعن المختار فهو إلى شر
وتلعنه الأملاك من فوق سبعة ... كذلك أهل الأرض في السهل والوعر
فيا ناطح الطود المتين بهامة ... مدورة جوفًا حذار من الكسر
وليس يحيق المكر إلا بأهله ... وحافر بئر الغدر يسقط في البئر
وكم حافر لحدًا ليدفن غيره ... على نفسه قد جر في ذلك الحفر
وكم مشرك طاغ تردى بشركه ... وسادن قبر باء بالخزي والخسر
وكم رائش سهمًا ليصطاد غيره ... أصيب بذاك السهم في ثغرة النحر
وقبره أضحى لها الجو خاليًا ... من النسر والعقبان والباز والصقر
فلا تفرحي يومًا سيأتيك صائد ... ويسقيك كأس الحتف كالصاب (3) والصبر
(فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري) زدت وزرًا على وزر
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك كالساقط القدر
(1) مفردها: بعير، وأنضيت: أهزلت، والكلام كناية عن طول السفر.
(2) ثبير: جبل بمكة.
(3) الصاب: شجر مر.