وعلى هذا النحو من التخريجات اللغوية الدقيقة يمضى القاضى في تأويل متشابه القرآن في سائر كتابه.
يستعرض القاضى رحمه الله، في كتابه، سور القرآن بحسب ترتيبها في المصحف، ويقف في كل منها عند نوعين من الآيات: الآيات المتشابهة التى يزعم الخصم أن فيها دلالة على مذهبه، والآيات المحكمة الدالة على المذهب الحق، وذلك ما ألزم به نفسه في آخر مقدمة الكتاب، حيث ذكر أنه سيبين في المتشابه «أن ظاهره لا يدل على ما يقوله المخالف البتة» وذكر أنه سيقف في كل سورة عند «ما يدل من المحكمات على الحق» [1] .
وهكذا جاءت مسائل الكتاب على نوعين: مسائل، ودلالات.
أما المسائل فموضوعها الآيات المتشابهة، وعرض ما يراه الخصم فيها من الدلالة على مذهبه، ثم تأويلها على الوجه الصحيح، الذى يراه القاضى مبطلا لدعاوى الخصم.
وقد جرت عادة المؤلف في هذه المسائل على الاكتفاء بالقول الموجز فيما يستدل عليه المخالف، دون التعرض لذكره أو ذكر فرقته أو مذهبه، فسواء عنده المشبهة، والأشاعرة، والخوارج، وغيرهم، لأن ما يقصد إليه هو بيان أن هذه الآية قد استدل بها على رأى باطل، هو كذا، تمهيدا لرده وبيان وجه الصواب في فهم الآية وتأويلها، وغالبا ما يقول القاضى عند عرض آرائهم: «قالوا» .
وغالبا ما يستهل القاضى الرد عليهم ببيان أن الظاهر الذى يدعونه لا يدل
(1) انظر الفقرة: 12.
على ما يذهبون إليه! أو أنه مما لا يمكن أن يقول به أحد، وأنه لذلك لا بد للجميع من الدخول تحت التأويل، ثم يشرع في تأويله هو، رحمه الله، على المنهج الذى أسلفنا الحديث عنه.