واعلم أنه لا بد مع التخلية بينه وبين الفعل، على ما بيناه، من أن يجعل تعالى المكلف مزاح العلة، وإزاحة العلة لا يكون إلا بأمر زائد على التخلية، لأنه لو خلى بينه وبين الفعل، ولم يعرف حسنه، لصح أن يفعل ويتركه، [و] كان لا يكون تعالى مزيحا لعلته. وكذلك فلو أنه تعالى لم يدل على حال الفعل، لوجب ما ذكرناه. ولو أنه تعالى لم يعرفه ما يدعوه من الأفعال إلى فعل ما وجب عليه، أو لم يفعل به الألطاف التى عندها يختار ما كلفه، لكان غير مزيح لعلته، فلا بد من أن يفعل تعالى سائر ما ذكرناه ليكون مزيحا لعلته، فيحسن عند ذلك أن يكلفه. فبحصول ما ذكرناه من إزاحة علة المكلف، وإن اختلفت وجوهه، يجب أن يفعل تعالى ما يدعوه به إلى ما كلف. أو يقوى به دواعيه. أو يعلمه أو يدله على ما عنده يحصل له الدواعى. فلتعلق الجميع بالدواعى جعلناه داخلا في إزاحة العلة. وقد ثبت أنه تعالى إنما كلف العبد لينفعه بأجل المنافع وأعلاها وأسناها، من حيث لا يحسن أن يبتدئه بها، فلا بد من أن يمكنه من فعل ما ينالها به، ولا بد إذا علم أنه إنما يختار الفعل لأمور، أن يفعل تلك الأمور، وإلا نقص ذلك قولنا إن غرضه أن يعرضه للمنافع.
893 -مسألة: فيما معه يصح أن يستحق المكلف المدح والثواب والذم والعقاب [1] .
اعلم أنه لا بد من أن يجعل تعالى المكلف بالصفة التى يستحق معها المدح والثواب على الفعل لأن الغرض بالتكليف استحقاقه لهذين. فإذا كان هذا هو
(1) انظر الفصل الذى كتبه القاضي (فى أن المكلف يجب أن يكون مشتهيا ونافر الطبع ليحسن أن يكلف) المغنى: 11/ 387. وانظر فيه الفصول المتصلة ببيان صفة المكلف بعامة، (ص 426367) حيث شرح فيها القاضى رحمه الله ما أجمله هنا في الفقرات: