وهذه الجملة كافية في بيان ما ذكرناه. وإذا تأملتها عرفت ما ذكرناه في زيادة الهدى وإزالة الإلجاء، ونحو ما ذكرناه في الألطاف. ويبين ذلك أن ما نقوله
من أن العبد ممكن من الطاعة والمعصية، وأنهما يحدثان من قبله، لا يمنع من إضافة [الطاعة] إليه تعالى، لأنها إنما تتم منا بسائر الوجوه التى قدمت ذكرها، ولولاها لم تتم، فغير ممتنع أن يضيفها تعالى إلى نفسه، ويضيفها العبد إليه.
ويبين ما ذكرناه أن المعاصى ينبغى أن لا تضاف إليه تعالى، على وجه.
وذلك لأن سائر ما معه تحسن الإضافة وتصح، معدوم فيها، بل قد اختصت بوجوه تقطع الإضافة، من حيث منعنا من فعلها بالزجر والوعيد والنهى والتخويف، إلى غير ذلك من الألطاف التى بعث العبد بها إلى أن لا يفعلها. ويوجب كل ذلك أن العبد اذا عوقب ووبخ على المعاصى، فإنه يستحق ذلك، لأنه أتى من قبل نفسه، من حيث أزاح تعالى سائر علله في أن لا يفعلها، وسهل له السبيل إلى ذلك، ولم يدع أمرا لو فعله لم يكن يختار المعصية إلا وقد فعله، ولا فعل أمرا لو لم يفعله لاختار المعصية، إلا ولم يفعله، فإنما أتى من قبل نفسه من كل وجه، وإن كان طاعته لم تتم من قبل نفسه بكل وجه.
فلهذه الجملة: جعلنا القديم تعالى منعما بالطاعة لأنه من الوجوه التى بيناها صارت الطاعة كأنها من قبله تعالى، ولم نجعله بما فعله من المعصية سببا.
اعلم أن القدرة وسائر ما به وعنده يصح منه الفعل، ولولاه كان يتعذر في باب التمكين، فلا يجوز أن «يعد اللطف من [1] ، لأن اللطف هو عبارة عما يغير دواعى الإنسان واختياره، فلا بد من أن يكون التمكين من الفعل قد تقدم،
(1) فى الأصل: يعدم