وقد يدخل في هذا الباب أن التفكر فيما يستدل به أولا والتذكر لأحواله، قد يكون لطفا في الثبات على المعرفة وترك الاقلاع عنها، فعند ذلك لا بد من أن يكون المعلوم من حاله أن يتفكر في ذلك. وإن لم يكن كذلك فلا بد من أن
يخطر بباله ما يدعوه إلى الفكر، ويبعثه عليه، وإلا قبح أن يكلفه في المستقبل!.
وقد يدخل في هذا الباب أن يكون إنزاله الكتب وتكريره الأدلة لطفا في ثبات المكلف على ما كلف، وإن كان ابتداء المعرفة قد يفعلها من دونه، فلا بد عند ذلك من أن يكرر تعالى الأدلة بنصبها ويزيح العلة فيها.
وقد بينا من قبل الوجه الذى له يكون الختم والطبع، إلى ما شاكله، لطفا للعبد فلا وجه لإعادته. ولا يمتنع في كثير مما لم نذكره أن يكون لطفا، وإن كان الذى أوردناه يأتى على جمله.
904 -مسألة في التوفيق والعصمة [1]
اعلم أن اللطف إذا صادف وجوده اختيار المكلف للطاعة، وصف بأنه توفيق، لأنها وافقته في الوجود والوقوع على وجه لولاه لم تحصل هذه الموافقة، فلهذه العلة يوصف بأنه توفيق. وخص بذلك ما يقع لأجله الخير دون الشر لا من حيث اللغة، ولكن للاصطلاح.
وأما العصمة: فعبارة عن الأمر الذى عنده لا يفعل المكلف القبيح على وجه لولاه لاختاره، فيوصف بأنه عصمة، من حيث امتنع عنده ولأجله، واستعمل ذلك في الشر دون الخير، لا من حيث اللغة، ولكن للاصطلاح.
وكلا الوجهين يوصف بأنه لطف، فينقسم عندنا فيما هو لطف فيه إلى
(1) انظر المغنى: 13/ 1812.