من التفرق والتشتت، فاجتهاد الباكستانيين يكون مختلفا حينئذ عن اجتهاد المصريين، وما سيصل إليه السعوديون قد يختلف عما يصل إليه الجزائريون، وهذا الاختلاف قد يتجاوز حدوده المعقولة المسموحة بها في شريعة الله، وهذا أمر سوف يجعل أعداء الإسلام يسخرون منا ومن ديننا.
3 -أن تدخل الحكومات في كافة شئون المجتمع يحول دون ممارسة الاجتهاد الفردى، وإبداء الآراء في المشاكل القائمة بكل حرية وموضوعية، ولكن اتحاد الآراء واجتماع الأفكار بين علماء المسلمين المنتمين إلى البلاد الإسلامية كلها يعطيهم وزنا ومكانة لا ينتزعهما حاكم مستبد ولا سلطان جائر. ومما ترتاح إليه النفوس وتقربه الأعين أن الأمة الإسلامية بدأت الآن تتجه إلى هذا الاتجاه اتجاها حسنا. فإنها أدركت أن الاجتهاد الجماعي أقرب إلى الاحتياط والصواب والاطمئنان من الاجتهاد الفردى، وخاصة في عهد قيد فيه الزمان، وندر فيه العالم المتعمق، وقل فيه الصلاح والتقوى، وانتشر فيه التعليم، وتشعبت فيه العلوم والفنون وأصبح العصر عصر الاختصاص، فلا نجد فيه أناسا يجمعون بين أصناف العلوم، ويتعمقون في علوم الشريعة كلها كما تعمق فيها السلف الصالحون وأن أغلبية من يدعون بالعلم في عالمنا الإسلامى لا يتمتعون بثقة الناس بصلاحهم وتقواهم وخشيتهم لله وحبهم لرسوله. فبدأت والحمد لله مظاهر سير الأمة الإسلامية على هذا الاتجاه المبارك المنشود. فعقد ندوات ومؤتمرات عديدة للبحث والدراسة في قضايا الفقه الإسلامى المختلفة، ونشر موسوعات فقهية في بلاد مختلفة، وتأسيس المجامع الفقهية المتعددة، وإنشاء منظمة قانونية دولية تحت إشراف المؤتمر الإسلامى، وما إلى ذلك من الخطوات كلها، إن دلت على شىء فإنما تدل على أن الفقهاء المسلمين المعاصرين بدءوا يدركون أهمية ص _109