وإذا كنا على أبواب نهضة حقة فلندرس بدقة وبصيرة أسرار ما أصابنا .. فإن العافية لا تتيسر بدواء مرتجل .. والنصر لا يجىء باقتراح مرتجل .. إن الأسلاف تصدروا قافلة العالم بجدارة .. والأخلاف ملئوا ذيل القافلة بجدارة أيضا. وقد تأملت في أحوال ناس يعملون في الحقل الإسلامى، ويتحمسون لنصرة دينهم .. ولكنهم يحملون في دمائهم جراثيم الفوضى القديمة، والجهالة المدمرة .. فأدركت أن هؤلاء يتحركون في مواضعهم، وأنهم يوم يستطيعون نقل أقدامهم فسيتجهون إلى الوراء لا إلى الأمام، وسيضيفون إلى هزائمنا الشائنة هزائم قد تكون أنكى وأخزى. من أجل ذلك رأيت استثارة الهمم لبدء نهضة واعية هادية، تعتصم بالوحى الأعلى. وتتأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، وتنتفع بتجارب القرون الأربعة عشر التى مرت بنا. قد تقول: وهل يخالف أحد في هذا حتى تتناوله بالغمز واللمز؟! وأجيب: إن أحدا لن يجرؤ على هذه المخالفة بقوله .. ولكنه بفراغ فكره، أو فساد باطنه قد يجر الكوارث على الكتاب والسنة، ولا يزيد الطين إلا بلة ..
الفساد السياسي مرض قديم في تاريخنا، هناك حكام حفروا خنادق بينهم وبين جماهير الأمة .. لأن أهواءهم طافحة .. وشهواتهم جامحة .. لا يؤتمنون على دين الله، ولا دنيا الناس .. ومع ذلك فقد عاشوا آمادا طويلة. وقد عاصرت حكاما تدعو عليهم الشعوب، ولا نراهم إلا حجارة على صدرها توشك أن تهشمه .. انتفع بهم الاستعمار الشرقى والغربى على سواء، في منع الجماهير من الأخذ بالإسلام والاحتكام إلى شرائعه .. بل انتفع بهم في إفساد ص _00 ص