علي يقول: ( لا يفوتنكم الرجل ) وشدّ الناس عليهما من كل جانب ، فأَما شبيب فأَفلت ، وأَخذ ابن مُلجَم فأَدخل عَلى عَليّ ، فقال: أَطيبوا طعامه ، وأَلينوا فراشه ، فإِن أَعش فأَنا وليّ دمي: عفو أَو قصاص ، وأَن مت فأَلحقوه بي أُخاصمه عند رب العالمين . فقالت أُم كلثوم بنت عليّ: يا عدوّ الله ، قتلت أَمير المؤمنين قال: ما قتلت إِلا أَباك ، قالت: والله إِني لأَرجو أَن لا يكون علي أَمير المؤمنين بأْس . قال: فلم تبكين إِذًا ثم قال: والله لقد سممته شهرًا يعني سيفه فإِن أَخلفني أَبعده الله وأَسحقه . >
وبعث الأَشعث بن قيس ابنه قيس بن الأَشعث صبيحة ضرب علي ، فقال: أَي بني ، انظر كيف أَصبح أَمير المؤمنين ؟ فذهب فنظر إِليه ، ثم رجع فقال: رأَيت عينيه داخلتين في رأْسه ، فقال الأَشعث: عَيْني دَمِيغ ورب الكعبة . >
قال: ومكث عَليّ يوم الجمعة ويوم السبت وبقي ليلة الأَحد لإحدى عشرة بقيت من شهر رمضان من سنة أَربعين ، وتوفي رضوان الله عليه ، وغسله الحسنُ والحُسين وعبد الله بن جعفر ، وكُفن في ثلاثة أَثواب ليس فيها قميص . >
قالوا: وكان عبد الرحمن بن مُلجم في السجن ، فلما مات علي ودُفن بعث الحسنُ بن علي إِلى ابن مُلجم ، فأَخرجه من السجن ليقتله ، فاجتمع الناس وجاءوا بالنّفط والبواري والنار ، وقالوا: نحرقه . فقال: عبد الله بن جعفر ، وحُسَين بن علي ، ومحمد بن الحنفية ، دعونا حتى نشفي أَنفسنا منه فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه ، فلم يجزع ولم يتكلم ، فكَّحل عينيه بمسمار مَحمِيّ ، فلم يجزع ، وجعل يقول: إِنك لتكحل عيني عمك بمملُول مُمض ، وجعل يقرأ: { اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الذي خَلَقَ } ، حتى أَتى على آخر السورة ، وإِن عينيه لتسيلان ، ثم أَمر به فعولج عن لسانه ليقطعه ، فجزع ، فقيل له: قطعنا يديك ورجليك وسَمَلنا عينيك يا عدوّ الله ، فلم تجزع ، فلما صرنا إِلى لسانك جزعت . قال ما ذاك من جزع إِلا أَني أَكره أَن أَكون في الدنيا فواقًا لا أَذكر الله فقطعوا لسانه ، ثم جعلوه في قوْصَرة فأَحرقوه بالنار ، والعباس ابن علي يومئذ صغير ، فلم يستأْن به بلوغه .