فلما أتى العراق كان يزيد قد استعمل عبيد الله بن زياد على الكوفة ، فجهز الجيوش إليه ، واستعمل عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص ، ووعده إمارة الري . فسار أميرًا على الجيش وقاتلوا حسينًا بعد أن طلبوا منه أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد ، فامتنع ، وقاتل حتى قتل هو وتسعة عشر من أهل بيته ، قتله سنان بن أنس النَّخَعِي ، وقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن ، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي ، وقيل: قتله عمر بن سعد ، وليس بشيء ، والصحيح أنه قتله سنان بن أنس النخعي . وأما قول من قال: قتله شمر وعمر بن سعد ؛ لأن شمر هو الذي حرض الناس على قتله وحمل بهم إليه ، وكان عمر أمير الجيش ، فنسب القتل إليه ، ولما أجهز عليه خولي حمل رأسه إلى ابن زياد ، وقال: > % ( أوْقِرْ ركابي فِضَّةً وذهبًا % فقد قتلت السيد المحجبا ) % > % ( قتلت خير الناس أمًا وأبًا % وخَيْرَهم إذ يُنْسَبون نسبًا ) % >
وقيل: إن سنان بن أنس لما قتله قال له الناس: قتلت الحسين بن علي ، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ورضي عنها ، أعظم العرب خطرًا ؛ أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فلو أعطوك بيوت أموالهم لكان قليلًا فأقبل على فرسه ، وكان شجاعًا به لُوثة ، فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد ، وأنشد الأبيات المذكورة ؛ فقال عمر: أشهد أنك مجنون ، وحذفه بقضيب وقال: أتتكلم بهذ الكلام والله لو سمعه زياد لقتلك . >
ولما قتل الحسين أمر عمر بن سعد نفرًا فركبوا خيولهم وأوطئوها الحسين ، وكان عدة من قتل معه اثنين وسبعين رجلًا ، ولما قتل أرسل عمر رأسه ورؤوس أصحابه إلى ابن زياد ، فجمع الناس وأحضر الرؤوس ، وجعل ينكت بقضيب بين شفتي الحسين ، فلما رآه زيد بن أرقم لا يرفع قضيبه قال له: أعل بهذا القضيب فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلّم على هاتين الشفتين يقبلهما ، ثم بكى ، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك ، فوالله لولا أنك شيخ قد خرِفت لضربت عنقك . فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب ، العبيد بعد اليوم ؛ قتلتم الحسين بن فاطمة ، وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، وأكثر الناس مراثيه ، فمما قيل فيه ما قاله سليمان بن قثة الخزاعي: > % ( مررت على أبيات آل محمد % فلم أرها أمثالها حين حُلَّت ) %