إذًا الحل الأمثل هو الخرص عندما تبدو الثمرة، فيكون الخارص من طرف ولي الأمر المسئول عن حق الفقراء؛ لأن الله كلف بها رسوله صلى الله عليه وسلم: (خذ) وهذا الأمر تكليف له مع أنه لا حظ له فيها، فهي محرمة عليه وعلى آل بيته، ولكن حفاظًا على حق المساكين وحفظًا لماء وجوههم حتى لا يذهبوا للغني يقولون: أعطنا، فيقول لهم: ائتوني في وقت لاحق عندما نجذ.
فعالج الشرع ذلك بأن أوجب على ولي الأمر أن يأخذها قهرًا على صاحبها: (من أداها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت؛ وإلا أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) ، فإذا طابت الثمرة ذهب الخراص -اثنان أو ثلاثة على حسب رأي الإمام- وتمشوا في البستان لينظروا عدد ما فيه من النخل.
فإذا كان فيه مائة نخلة بدأنا بنخلة رقم واحد فقلنا مثلًا: هذه تحمل قنوان والقنو أوقية أو كيلو أو كذا على حسب التقدير برؤية العين، فإذا جففت كم سيكون منها تمرًا؟ فمثلًا: سيكون منها عشرون صاعًا، فنكتب ذلك.
ثم النخلة الثانية الثالثة، إلى المائة، فمجموع ما يتوقع منه من تمر لو بقي على تمامه عشرون وسقًا، فننظر: هل الثمرة على النخلة تبقى على تمامها أم أنها سيذهب منها شيء؟ سيذهب، وجاء بيان ذلك في بعض النصوص: ما تسقطه الريح، وما ينقره الطير، وما يأكله الضيف، وما تأكله الهوام والحيوانات التي تدخل النخيل وتأكل مما سقط.
إذًا: هناك عوارض تعرض للثمرة المعلقة.
وصاحب البستان يريد أن يأكل فلا نمنعه من حقه لأجل المساكين، بل حقه هو الأول، والضيف الذي يدخل عليه فلا نقول له: لا تعطه، فنعلمه البخل! وشر خصلة في الإنسان هي البخل، بل نقول: أطعم وأكرم ضيفك إذًا: هناك عوامل تعرض للثمرة التي على النخلة، ونحن خرصناها على تقدير أنها كاملة، فلو قدرنا الصدقة على ما يوجد على أنها كاملة لأجحفنا بمالكها فيما له من حق التصرف فيه، فلذلك قال: (دعوا الثلث) أي لأجل هذه العوارض.
فلو كانت مائة صاع، فإننا ننظر كم ثلث المائة بالتقريب والتقدير، فنقول: احسبوها سبعين بدل المائة.
قال: (فإن لم تسقطوا الثلث فالربع) ، أي أن العامل مخير بين الثلث والربع، أعتقد والله تعالى أعلم: بأن هذا يرجع إلى فطنة العامل الذي يخرص، فإذا كان النخيل في جهة بعيدة من البلد قل الوارد عليه، وكذلك إذا كان الجو معتدلًا، وكان عياله قلة، وضيفه قليلًا، وليس بمشهور عند الناس، فتكون الكلفة عليه قليلة؛ فهذا يكفي أن نترك له الربع.
لكن إذا كان هناك بستان على قارعة الطريق، وصاحبه من أهل الوجاهة، وكل يوم والباب لا يغلق، فهذا ضيف طالع، وهذا ضيف داخل، فهل هذا يستوي مع الأول؟ أعتقد أنهما لا يستويان، وأن القول هنا: الثلث أو الربع ليس للتخيير، وإن كنت لم أجد من نبه على ذلك لكن هذا هو الواقع، فيسقط الثلث لمن كان طارقه كثيرًا، ويكون الربع لمن كان طارقه قليلًا.
وهذا هو الإرفاق والعدل، فلا نساوي بين رجل كثير الضيوف يمكن أن يأكلوا عليه النصف، وبين رجل قليل الضيوف، وبعض الروايات: (خذوا النصف، وأعطوهم من النصف وأعطونا النصف فإنهم يسرقون) ، أي: غصبًا عنه سيأكل.
إذًا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الذين يخرصون على الناس أن يدعوا الثلث، فإن لم يدعوا الثلث فالربع، والظاهر أن هذا يترك الخيار فيه للعامل، ولكن في نظري والله تعالى أعلم وأبرأ إلى الله من خطأ: أن ذلك ليس للتخيير وإنما هو للتنويع، والتنويع يكون بحسب حال صاحب البستان وموقعه الاجتماعي، فمن كان كثير الوارد والضيف والاستهلاك والعيال والعمال قلنا: يترك له الثلث؛ لأن الاستهلاك كثير، ومن كان إنما يذهب عنه القليل فإنه يترك له الربع، والله تعالى أعلم.
وهنا قالوا: الخرص أيضًا ليس لمجرد معرفة هذا الموجود، وأنه يأكل أو يكرم ضيفه قالوا: بل يكون لصاحب الثمرة الخيار، فإن شاء أبقى الثمرة إلى أن يأتي الجذاذ فيجذ، ويوضع في الجرين ويجفف ويبيعه تمرًا، وإن شاء باعه رطبا ًمبكرًا في السوق يومًا بيوم ولو لم يبق في النخيل شيء.
فإذا قيل: فأين زكاة الأوسق نصف العشر؟ لما خرصنا عليه أصبح مدينًا للفقراء والمساكين بالمقدار الذي قيدناه عليه، ونحن قيدنا عليه سبعة أوسق صدقة، لكنه باعها كلها رطبًا في الصناديق، أو باعها كلها عنبًا في الصناديق، ولم يزبب كيلو ولا وسقًا ولا نصفًا.
لكن هذا خرصنا عليه مثلًا: وسقًا ونصف وسق من الزبيب، فليس عنده شيء، لأنه قد باعه عنبًا، فنقول: عليه أن يقدم للجهة التي تجمع الزكاة وتوزعها على أصحابها، فيأخذ من السوق المقدار من التمر الذي سجل عليه، ويأخذ كذلك المقدار من الزبيب الذي سجل عليه ويدفعه لأصاحب الحقوق في ماله من الفقراء والمساكين إلى آخره.
إذًا: الخرص يعطي صاحب الثمرة الحرية في أن يستغلها رطبًا ويحفظ الثمن، ويلتزم بما ألزمه به الخارصون ويقدمه عينًا، إلا إذا أراد ولي الأمر أن يستبدل بالأعيان نقدًا، ويوزعه على الفقراء والمساكين، فهذا لا نعارض فيه.
أما إذا ترك الأمر لصاحب النخل والعنب فله أن يتصرف كيف يشاء، وعليه أن يزكي هذه الثمار من تمر وعنب على قدر ما قدر عليه، فيشتريها من السوق من الشيء الوسط الذي لو كان حاضرًا عنده لأخذ من وسط المال، ويقدمه إلى مستحقيه، والله تعالى أعلم.