فهرس الكتاب

الصفحة 1594 من 2523

نهى صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق، وسيأتي بيان الاستثناء في حالات خاصة.

وقد بين علة النهي فقال: (أيام التشريق -أيام منى- أيام أكل وشرب وتبعل) ، لاحظوا يا إخوان هذا التنبيه! متى بدأ المحرم إحرامه؟ أقل ما يكون أنه قبل أسبوع، أو عشرة أيام؛ وقد جاء أن عمر رضي الله تعالى عنه قال لأهل مكة: (يا أهل مكة! ما لي أرى الآفاقيين يأتون شعثًا غبرًا) أي: مسافرين من بعيد، جائين من الشرق والغرب، رجالًا وعلى كل ضامر، (وأنتم في بيوتكم إلى أن يأتي اليوم الثامن وتحرمون) يعني: أنكم لم تشاركوا الحجاج في وعثاء السفر، ولم تشاركوهم في تفث الإحرام، فأنت أيها المكي! تخرج من بيتك ومن حمامك إلى منى، وغيرك يأتي وله شهر أو أقل أو أكثر، وهو يحل ويرتحل في إحرامه، وقد وجد العناء ووجد وعثاء السفر والتفث، وهو تعبان في هذه المدة كلها، (أحرموا إذا هلّ هلال ذي الحجة) يعني: جعل عليهم بعض صعوبة الإحرام حتى يشاركوا الناس في بعض مشاق الحج.

فإذا كان أقل مدة سيحرم فيها الحاج هي عشرة أيام، وهناك من له في الإحرام شهر كامل، فمتوسط مدة الإحرام عشرون يومًا، فإذا كان إنسان معه زوجته، في سيارة واحدة، على هودج واحد، يحل ويرتحل وهي أمامه، وهو لا يقربها، فإذا ما أدى النسك، فلا نضيق عليه أيام منى كذلك، وإنما نقول له: قد انتهى المحظور وحلت لك زوجتك.

وقوله: (أيام أكل وشرب) هل معنى هذا أن الأيام الماضية ليس فيها أكل وشرب؟ الجواب: لا، ولكن زاد المسافر ليس كزاد المقيم، فالمسافر يجتزئ بالذي يحصل، فإذا كان في منى ليس عنده شيء، وقد ذبح الهدي، وذبح الأضحية فما بقي إلا أن يأكل.

فإذا أكل وشبع وزوجته عنده وله عنها مدة عشرين يومًا في متوسط الزمان، فهو في حاجة إليها أكثر، ولهذا قال: (أيام أكل وشرب وتبعلٍ) ، تبعل: من البعل، والبعل هو الزوج، ويقال: هذا البطيخ بعلي، وتسمعون من أصحاب الحبحب قولهم: هذا حبحب بعلي، يعني: أنه وضع الحب وجاء المطر مرة واحدة وشبعت الأرض بالماء فتبعلت البذرة ونبتت واجتزأت برطوبة الأرض إلى أن أثمرت، إذًا: كذلك الرجل يبعل.

ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق، وهي من الأيام التي نهي عن الصيام فيها كل عام.

وأما يوم الشك فليس معينًا بذاته في كل سنة، فممكن أن تكون هناك شك وممكن أن لا يكون، وأما يوم عرفة فالذي هو قاعد في بيته يصوم وإنما منع صيام يوم عرفة بعرفة.

إذًا: الأيام الممنوع صومها في الحالات العادية يوما العيد ولا عذر لأحد في صومها ولا استثناء فيها مطلقًا، وأما أيام التشريق فسيأتي الاستثناء فيها، وعلى هذا تكون الأيام المنهي عن الصوم فيها طيلة العام بصفة رسمية، وبتشريع عمومي هي خمسة أيام: يوما العيدين، وأيام التشريق.

والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت