ثانيًا: فيما يتعلق بالدعوة في مكة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجه كل من آمن به إلى توحيد المتابعة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: فكل من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم واستجاب له فإنه والحالة هذه يتحول إلى عبد لله مطيع للرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به.
وهذا واقع عملي، حيث كان الواحد من هؤلاء يدخل في دين الإسلام لا يدخل فيه نظريًا، وإنما يدخل فيه نظريًا ويتبعه واقعًا عمليًا؛ فيأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: مرني ماذا أقول.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان مستضعفًا، وكان المسلمون معه مستضعفين في مكة، فجاء واحد من أهل القبائل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ثم قال له: ماذا تأمرني؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إننا الآن مستضعفون، فاذهب إلى قومك، فإذا رأيتني قد خرجت فائتني، وفعلًا ذهب الرجل إلى قومه مطيعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية أتى إليه، فلما سلم عليه قال له: يا رسول الله! هل تعرفني؟ قال: نعم؛ أنت الذي أتيتني يوم كذا وكذا.
إذًا: هذه طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم تمثلت في توحيد المتابعة لهذا النبي الكريم، وهذا جانب عملي، بمعنى: أن الذي آمن بالله وبرسوله صارت طاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتخلى عن طاعة غير الله.
ولكن تعالوا إلى واقع المسلمين اليوم؛ فأحدهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم تجده في باب الطاعة والمتابعة يتابع غير رسول الله! وهذا خلل في التطبيق العملي، فإذا كنت تشهد أن محمدًا رسول الله، وتقر لهذا النبي الكريم بأنه هو المطاع، وبأن أي عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لله متابعًا فيه للرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا تطيع غيره؟! ولماذا تتبع غيره؟! ولماذا حياة المسلمين تحولت إلى خلل في التطبيق العملي للإسلام؟! فالخلل جاء من خلال هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية، فصارت عندها نظرية قولية فقط (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فالرسول هو الذي يجب أن يطاع ويصدق، وإذا انتقلت إلى الواقع العملي تجده يقول لك: لا، بل إنك تأتي الإنسان في أمر من الأمور وتقول له: إن الرسول نهى عن ذلك، ثم تجده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يلوي عنقه أحيانًا أو يتردد أحيانًا، والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله أو من الرسول بالحجاب وبالستر وبالعفاف، ثم تجد في صدرها حرجًا من أن تستجيب لله ولرسوله، فأين التطبيق العملي؟ وأين زعمي وزعمك بأننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ربى تلك العصبة المؤمنة على طاعته عليه الصلاة والسلام.