فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 616

ثالثًا: مما يتعلق بمنهج الدعوة في مكة موالاة المؤمنين: كل من استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به صارت له حقوق الولاء والمحبة والنصرة العملية في حياته، ولهذا فإنني أقول: إن من أعظم جوانب التطبيق العملي في حياة الإنسان العملية في باب العقيدة هي قضية عقيدة الولاء والبراء، والرسول صلى الله عليه وسلم ربى في نفوس أصحابه أن كل من آمن فقد صار مع إخوانه لحمة واحدة، وكل من استجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم صاروا لحمة واحدة؛ يعين بعضهم بعضًا، ويساعد بعضهم بعضًا، ويحزن بعضهم لحزن بعض، وهكذا حياة الإنسان العملية في الموالاة التي تربط المؤمن بأخيه المؤمن مهما كانت الأحوال.

وتعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، فستجدون الولاء أحيانًا للقبيلة، وأحيانًا للوطن، وأحيانًا للمصالح المشتركة، وأحيانًا لكذا وأحيانًا لكذا، فأين الولاء والموالاة بين المؤمنين التي لا تجمعها إلا رابطة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ، فتحب أخاك المؤمن وتعينه، وتنصره، وتؤيده؛ أين هذا أيها الإخوة؟! لقد كان هناك بون شاسع جدًا بين حالنا اليوم وبين حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رباهم الرسول في مكة.

وتعالوا إلى مثال عملي لا يقدر عليه إلا الرجال: فقد كان ممن آمن في مكة بعض المستضعفين، فصار المشركون يعذبونهم، كآل ياسر، وبلال بن رباح، وغيرهم وغيرهم من المستضعفين، فانهال عليهم الطواغيت تعذيبًا، بل بأشد أنواع التعذيب، لكن هل سكت المؤمنون؟ وهل تركوا الموالاة بين المؤمنين؟

الجوابلا؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يملك من الأمر شيئًا- كان يبحث عنهم في مواطن تعذيبهم، ويأتي إليهم في الطرقات، أو في الأماكن التي يعذبون فيها، ويعلن الولاء لهم، ويقول (صبرًا آل ياسر! إن موعدكم الجنة) .

فأخوك المؤمن الممتحن المبتلى في مشارق الأرض ومغاربها هو بحاجة إلى أن تعينه، وأن تدعو له، والله إنك إذا دعوت له وأعلنت الولاء له، يكون ذلك بلسمًا شافيًا على قلبه وجراحه، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليهم ويقول: (صبرًا آل ياسر!) ، وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه استخدم ماله في سبيل الله وفي سبيل الموالاة بين المسلمين؛ فأتى إلى أولئك المستضعفين ليغري بهم أولئك المشركين ماديًا، ويعطيهم أضعاف أثمانهم؛ ليشتري هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله وينجيهم! أرأيتم كيف يكون الولاء بين المؤمنين؟ فـ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان همه في مكة الدعوة إلى الله، وكان همه في مكة مراقبة المستضعفين من المؤمنين.

إذًا: تحول إلى داعية همه ليلًا ونهارًا أن يبذل وقته وماله في سبيل الله تبارك وتعالى، وهذا هو التطبيق العملي، فما قال أبو بكر لا إله إلا الله، وجلس يصلي في بيته مع أنه كان زاهدًا عابدًا رضي الله عنه وأرضاه، إنما تحول إلى موالاة بين المؤمنين؛ يبحث عن أي مؤمن آمن بالله وهو مستضعف، ثم يأتي إلى أولئك القوم الذين لهم سلطة عليه؛ ليشتريه بأغلى الأثمان، ويعتقه مباشرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت