بقيت مسألة يسيرة أحب أن أشير إليها، وهي أن نعلم أن التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب.
وإنما التوكل على الله هو عينه سبب من الأسباب، مثل الدعاء تمامًا، كما أن الله أمر بالدعاء وجعله عبادة، بل ورد أنه العبادة، فإن الدعاء سبب، فأنت مأمور بالدعاء لكن قد يحصل وقد لا يحصل.
كذلك أيضًا التوكل على الله سبب من الأسباب، فإذا توكلت على الله في أمر من الأمور فقد يحصل ذلك الأمر وقد لا يحصل، لكنك عبدت الله وتوكلت عليه، فيكون لك الخير حيث كان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، في الحديث الصحيح: (ما من عبد يدعو ربه بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم إلا كان على الله أن يعطيه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب دعاءه) هذا الاحتمال الأول (أو أن الله يدفع عنه من الشر مثله) هذا الثاني (أو أن الله يدخر له يوم القيامة من الأجر مثله) .
إذًا الداعي لا يخيب أبدًا، قال الصحابة: (يا رسول الله! إذًا نكثر) ، أي: ما دمنا رابحين إذًا نكثر من الدعاء، فقال: (الله أكثر) .
فلا يقول القائل: أنا دعوت ولم يستجب لي.
ومثله إذا توكل على الله في الأمر، فقد يكون من أمر الله أن الله يريد أن يبتليه، فلا يقول: توكلت على الله وما استجاب.
لا، وإنما سيكون لك الخير لأنك عبدت الله حق عبادته، وقد يكون ذلك الأمر الذي جرى عليك من محنة أو غيرها سببًا لتمحيص ذنوبك وإيمانك ورفع درجاتك.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعًا ممن توكل عليه وكفاه، وأن يجعلنا ممن اعتصم به فنجاه.
كما نسأله سبحانه وتعالى أن يعيذ هذه الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يهيئ لها من أمرها رشدًا، يُعز أهل الطاعة، ويُذل أهل المعصية، كما نسأله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن ختم له بخاتمة السعادة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ، والله أعلم.