فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 616

ثامنًا: الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في حياة الإنسان.

أيها الإخوة! إن من أبرز أركان الإيمان التي لها أثر في حياة الأسرة: الإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بالقضاء والقدر مقتضاه أن يؤمن الإنسان أن كل ما يجري فهو بقضاء الله وقدره، كل ما يجري عليك أنت أيها الإنسان فهو بقضاء الله وقدره، أولادك وجودهم سفرهم ذهابهم رزقك وإياهم فقرهم غناؤهم طول عمرهم قصر عمرهم مرضهم موتهم إلخ، كلها بقضاء الله وقدره، ليس لك إرادة في ذلك، مكتوب قبل أن تخلق أنت أيها الإنسان، فلماذا تعترض على ما قدر الله عليك؟ ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر من أعظم أسباب استقرار النفس المطمئنة، ومن أعظم أسباب استقرار الأسرة المسلمة.

أيها الإخوة في الله! دعوني أضرب لكم أمثلة، لأننا لو أطلنا في هذا لطال بنا المقام، ولكن أشير إشارات تتعلق بالأسرة، فأقول مثلًا: الذي لا يولد له لماذا يعيش حياته كئيبًا؟! يرضى بما قدر الله له، وربما أراد الله له الخير، ولو قيل له: ما رأيك أن يوجد لك ولد يشقيك في بقية عمرك أو لا يوجد، أيهما سيختار؟ سيختار عدم وجود هذا الولد؛ فلماذا يا من ابتليت بأن الله سبحانه وتعالى قبل خلقك بل قبل خلق السماوات والأرض قدر لك هذا، لماذا تعترض على قدر الله؟ ولماذا لا توجه حياتك توجيهًا صحيحًا لتنعم بنعيم الله في الجنة، نعيم ما بعده نعيم، مع الحور العين والقصور، قال تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر:55] لماذا لا تشمر إلى الآخرة؟ لماذا تعيش حياتك معقدًا؟ لماذا تحسد الناس؟ أقبل على ربك سبحانه وتعالى، أرأيتم كيف يكون الإيمان بالقضاء والقدر؟ ثانيًا: الرجل الذي ولد له بنات ولم يولد له أولاد، لا بد أن يرضى بقضاء الله وقدره، بعض الناس يغضب -كما هي عادة الجاهلية- إذا جاءته بنت غضب! لا يا أخي! هذه البنت مقدرة، ولو أنك صنعت ما صنعت، ولو أنك تزوجت بنات الناس كلهم واحدةً تلو الأخرى إذا كان الله لم يكتب لك ولدًا ذكرًا فلن يأتيك ولد ذكر، فارض بما قسم الله لك، ارض يا عبد الله بما قسم لك، واعلم أن هذه الأنثى التي رزقك الله إياها هي نفس إنسانية مكرمة كرمها الله سبحانه وتعالى، ولهذا قدمها تبارك وتعالى في كتابه العزيز حينما قال: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} [الشورى:49 - 50] ، فقدم في الآية الإناث، وهذا كان للرد على عادات الجاهلية، وللأسف الشديد أنه يقع فينا أحيانًا من عادات الجاهلية، وفي البنات خير، فهن أمهات الأطفال، ومربيات الأجيال، فيا أصحاب البنات! يا من عندهم بنات فقط أو عندهم بنات وأولاد لكن قد يضيقون أحيانًا بالبنات! اسمعوا لهذا الحديث الذي رواه مسلم عن أنس يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا، ثم ضم النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه) ، أرأيتم البركة في البنات؟! إذًا: هو الرضا بقضاء الله وقدره، يؤدي بالإنسان إلى أن يرضى فيبارك الله سبحانه وتعالى له.

الإمام أحمد بن حنبل روى عنه ابنه صالح قال: كان أبي أحمد بن حنبل إذا ولد له ابنة يقول: الأنبياء كانوا آباء بنات، فهل حط من قدرهم؟ هل حط من وزنهم؟ لا أيها الأخ المسلم.

وأيضًا: من أثر الإيمان بالقضاء والقدر: موت الولد وهو صغير، فإن بعض الناس يحزن لذلك حزنًا شديدًا، لا يا أخي! ارض بما قضى الله لك، يا صاحب الأسرة! يا أيتها الأم! يا أيها الأب! إذا ما أخذ الله لكم ولدًا فارضوا بما قضى الله وقدره لكم، واسمعوا إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي حسان قال: توفي ابنان لي، فقلت لـ أبي هريرة: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا تحدثناه تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال أبو هريرة: (نعم، صغارهم دعاميص الجنة) ، ما هو الدعموص في اللغة العربية؟ الدعموص: هو الدخال الذي يدخل ويخرج ولا أحد يرده، ومعنى الحديث: أنهم سياحون في الجنة لا يردهم أحد، يدخلون كل بيت في الجنة، يقول أبو هريرة -وهذا له حكم الرفع-: (صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بناحية ثوبه أو يده كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا) ، متى هذا؟ يوم القيامة، يوم عظيم يوم الفزع الأكبر تأتي أنت أيها الأب، وتأتي الأم أيضًا وقد فزعوا وضاقت عليهم الدنيا كلها، واشرأبت لهم الأعناق: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم:43] الكل ذليلون أمام عظمة الجبار؛ لأنه الحساب الأكبر، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (فيأخذ بناحية ثوبه أو بيده فلا يفارقه) ، يمسك به فلا يفارقه حتى يدخله الله وإياه الجنة سبحان الله! حتى ولو كانت له ذنوب ومعاصٍ، يشفع له ولده، يقول الابن الذي مات ولم يذنب ذنبًا: يا رب! أنا لا أدخل الجنة إلا ومعي أبي وأمي، أرأيتم يا من تحزنون على موت الأولاد؟! إنهم بركة، ولذا روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء: (ما منكن امرأة يموت له ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابًا من النار، فقالت له امرأة: واثنان؟ فقال: واثنان) والحديث متفق عليه، إذًا هذا أثر من آثار التسليم والإيمان بالقضاء والقدر.

وأثر الإيمان بالقضاء والقدر أثر عميق في حياة الأسرة إذا توفي أحد الأبوين، إذا رضوا بالقضاء والقدر فإن الله يتكفل ببقية الأسرة، فكم من أسرة مات ولي أمرها فعاشت أسرة عزيزة، وإن لم يوجد له راع، وكم من أسرة ماتت الأم -وكل ذلك قضاء وقدر- فالله سبحانه وتعالى رعى أولادها من بعدها، إنه الرضا بالقضاء والقدر.

كذلك أيضًا حينما يوجد معوق داخل البيت، بعض الأسر تحزن وتتحول حياتها إلى حياة جحيم وقلق نفسي، لماذا؟! حتى ولو وجد المعوق فإن هذا بقضاء الله وقدره، فارض بما قسم الله سبحانه وتعالى لك، أرأيتم كيف أن الإيمان بالقضاء والقدر يضفي على الأسرة ويضفي على نفسية المعوق جوًا إيمانيًا وحياةً مطمئنة؟! إنها العقيدة! إذا ربطت وترابطت وشائجها تحولت الأسرة إلى أسرة مؤمنة طيعة مخبتة لربها تبارك وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت