أما الكتابات المعاصرة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فينبغي أن نعلم أن هذه الكتابات قسمان: منها قسم تأثر فيه أصحابه بدراسات المستشرقين والمبشرين.
وينبغي أن أشير في هذه المناسبة إلى أن المستشرقين والمبشرين ألفوا كتبًا كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير من هذه الكتب وبعضها قد ترجم إلى العربية، وكثير منها مملوء حقدًا وبغضًا وسبًا وشتمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فينبغي أن نحذر من هذه الدراسات الاستشراقية، وتبعهم على ذلك بعض أذنابهم ممن ينسبون إلى المسلمين، وكان من الدراسات التي تأثرت بهم ما كتبه طه حسين في كتابه (على هامش السيرة) ، فهذا الكتاب مملوء بالخرافات، ولا ينبغي أن يعتمد عليه أبدًا.
وكذلك أيضًا هناك كتب أخرى وإن كانت أقل خطورة من هذا الكتاب إلا أنها تأثرت بتلك الدراسات الاستشراقية وبالغزو الاستعماري.
ومنها ما كتبه محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) ، أو في كتابه الآخر (في منزل الوحي) ، فالكتابان وإن كانا جميلين بديعين إلا أنه قلد فيهما مناهج المستشرقين والمبشرين، فمثلًا: أراد أن يجعل من النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه واحدًا من البشر العاديين، ومن ثم سمى كتابه (حياة محمد) ، يعني: يريد ألا يجعل هناك معجزة إلا القرآن، فيبعد عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يسميه هؤلاء مخالفًا للعقل من المعجزات ومن المغيبات، ويريد أن يعرض سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عرضًا كما يقول: ليتناسق مع مقتضيات الحياة ومع بذل الأسباب البشرية، فجاء عرضه في سيرته بعيدًا عن تلك القضايا المهمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والتي هي من معجزاته ودلائل نبوته عليه الصلاة والسلام.
ومثله ما كتبه العقاد في كتابه (عبقرية محمد) ، وعنوانه يدل على مقصده منه! فمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُقاس بغيره من العظماء، وإنما يجب أن تختص دراسته بكونه نبيًا ورسولًا من عند الله تبارك وتعالى.
ثم إنه بدأت دراسات جادة وجيدة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولنقد كتب السيرة، ومن تلك الدراسات الجيدة ما كتبه عدد من الباحثين في جامعة أم القرى وفي الجامعة الإسلامية، فإن هؤلاء كتبوا عدة رسائل درسوا فيها بعض المسائل المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم دارسة حديثية نقدية ممتازة، فمثلًا: درسوا بيعة العقبة وأحداثها، ودرسوا هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحداثها، ودرسوا غزوة بدر، ومن هذه الدراسات ما يتعلق بغزوة بني المصطلق، وما يتعلق منها بصلح الحديبية، وما يتعلق منها بغزوة تبوك، وقد طبعت أكثر هذه الدراسات، وهي دراسات مهمة جدًا.
وكان للشيخ محمد أمين المصري رحمه الله تعالى فضل في ذلك بعد الله تعالى؛ فإنه أول من اقترح هذه الدراسات، وأشرف على عدد من هذه البحوث، وتوفي رحمه الله تعالى منذ زمن، ثم تابع الإشراف على هذه الرسائل الأستاذ الشيخ الدكتور أكرم العمري، وهو موجود الآن في المدينة، وقد حرص الدكتور أكرم العمري على متابعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى متابعة هذه الرسائل لإخراج سيرة جيدة متكاملة مبنية على الدراسة الحديثية المؤصلة.
ومن الدراسات التي اهتمت بالسيرة النبوية ما كتبه الأستاذ محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية) ، فإن هذا الكتاب قد طبع، ودرس فيه كثيرًا من مناهج السيرة النبوية، ونقد نقدًا ممتازًا كثيرًا من مناهج المستشرقين وأذنابهم من المستغربين، ودراسته هذه مطبوعة.
ومنها أيضًا ما كتبه أكرم العمري الذي أشرت إليه قبل قليل؛ فإنه له دراسات ممتازة جدًا، حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الدراسات الممتازة له ما كتبه بعنوان: (المجتمع المدني في عهد النبوة) ، وهو جزءان: جزء يتعلق بخصائص هذا العهد وتنظيماته الأولى، والجزء الثاني يتعلق بالجهاد ضد المشركين، وقد طبعت هذين الجزأين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفيه دراسة ممتازة جدًا وتأصيل جيد لدراسة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
وهناك دراسات كثيرة ومتعددة اختلفت مناهجها وسبلها، وتعدادها يطول بنا.