لقد كان لحملة القرآن في عصرنا الحديث نماذج، وسأذكر نموذجين لبعض الأحوال: أحدهما يتعلق برجل صالح من عباد الله، نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا، والثاني يتعلق ببهيمة من البهائم.
أما القصة الأولى المتعلقة بذلك الرجل الصالح فقد حدثني فيها من أثق به قال: كانوا قديمًا يقرءون القرآن في ليالي رمضان، وكانوا في العشر الأواخر منه لا يكادون ينامون، بل كانوا يحييون الليل، قال: وكان من عادتهم أنهم في ليالي العشر الأواخر من رمضان يقومون الليل، فإذا جاءت صلاة الفجر لا يطيل الإمام القراءة، وإنما يقرأ عليهم سورة وسطى من القرآن؛ لأنهم متعبون، ويريدون أن يرجعوا ليستريحوا قليلًا، وفي إحدى صلوات الفجر في العشر الأواخر من رمضان قام الإمام ليصلي بالناس فأطال القراءة، بدأ بسورة طويلة واستمر يقرأ ويقرأ ويقرأ، وكأنه في قيام الليل، وركع وأتى بالركعة الثانية وأيضًا أطال القراءة حتى أسفروا جدًا وكادت تطلع الشمس، فلما سلم، قال له بعض أحبابه: يا فلان! لقد أطلت علينا اليوم القراءة! فاستيقظ وقال لهم: هل أنا أطلت القراءة؟ قالوا: نعم.
قال: سبحان الله! والله! لقد نمت وأنا أقرأ القرآن! أي: أنه نام ونسي أنه في صلاة الفجر، وصار يقرأ القرآن وهو نائم أو بين النائم واليقظان، أرأيتم كيف عمروا قلوبهم بالقرآن؟! فهل رأيتم إنسانًا يقرأ القرآن وهو نائم؟! أما القصة الثانية: فلقد كان هناك جماعة كانوا مسافرين، وكان معهم عدد كبير جدًا من الإبل، وكانوا يسرون في الليل، قال أحدهم: وكانت عندي ناقة هزيلة، دائمًا هي في المؤخرة، ولا ألحق بأصحابي إلا بعدما ينزلون، قال: فأخذ واحد من القراء يقرأ القرآن وهو راكب ناقته في جوف الليل، ورفع صوته بالقراءة، قال: فصرت أنا أسمع القراءة من بعيد؛ لأنني كنت بعيدًا منهم، ثم أحسست بأن ناقتي تنشط شيئًا فشيئًا، وتعجبت لنشاطها، قال: وإذا بها تقدم شيئًا فشيئًا، وتعجبت من أمرها إلى أين ذاهبة! وتعجبت من نشاطها وهي هزيلة! قال: وما زالت تقدم شيئًا فشيئًا حتى جاءت إلى الناقة التي فيها القارئ فوضعت رقبتها على رقبة الناقة وصارا يسيران سويًا، وصدق الله القائل: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21] .
أيها الإخوة المؤمنون! يجب أن نعرف قدر هذا القرآن العظيم؛ فنحن في زمن المهلة يجب علينا أن نستغلها بقراءة القرآن والعمل بالقرآن.