فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 616

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتوكل عليه وحده فقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان:58] .

وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله، أفضل من توكل على ربه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها تبارك وتعالى كيف يشاء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- كان كثيرًا ما يدعو ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك) .

وحينما تشتد الشدائد على المسلمين وتنزل بهم البلايا والمحن فليس لهم من معين، وليس لهم من سبب يتمسكون به إلا الله الواحد القهار، جبار السموات والأرض، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله سبحانه وتعالى.

أيها الأخ المسلم! لا شك أن موضوع التوكل على الله موضوع مهم؛ لأنه يتعلق بأعمال القلوب، ولأنه أيضًا يتعلق بحياة الناس كلها، في ذهابهم ومجيئهم، ليلًا ونهارًا، وفي أمورهم كلها، لذلك فسنتعرض لهذا الموضوع من عدة نواحٍ، وقبل أن أتحدث عن هذا الموضوع بفقراته المختلفة أود في هذه المقدمة القصيرة أن أعرض لبعض المسائل المهمة.

أولًا: أنه يجب التفريق في مسائل أعمال القلوب -من التوكل والمحبة والرجاء والخوف والإنابة والاستعانة وغيرها- بين العلم النظري وبين العمل القلبي، فإنسان قد تكون عنده معرفة، وربما يحفظ الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، أو في باب الخوف أو الرجاء أو المحبة أو نحوها، ولكنك تجده في داخل قلبه وفي أعماله ربما يخالف ما في علمه، وهذه قضية مهمة جدًا، ومن ثم فعلى العبد أن يربي نفسه، وأن يهيئ قلبه لئلا يخاف إلا الله، وأن لا يرجو إلا الله، وأن يحب المحبة الخالصة لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده لا شريك له، وهكذا، حتى تتربى في النفوس معاني العبادة ولا تبقى نظرية.

الأمر الثاني: أنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة وعلى كل مسلم ومسلمة أن يتدبرا كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليتعرفا على أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وليعرفا معانيها ودلالتها، ويعرفا آثارها في القلوب والنفوس.

ونحن نعلم جميعًا أننا نقرأ في كتاب الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:20] ، {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام:73] ، {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ} [الحشر:23] إلى آخر الآيات التي فيها ذكر لأسماء الله وصفاته، لكن ما معاني هذه الأسماء؟ ما هي دلالاتها؟ وما هي آثارها على النفوس والقلوب؟ هذه المسألة ينبغي أن نعنى بها، وأن نربي عليها أنفسنا وأسرنا، حتى يعلم الإنسان أن العبد إذا عرف معاني أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته امتلأ قلبه تعظيمًا لله، وامتلأ قلبه خوفًا من الله ومهابة له، فأثر ذلك على سلوكه وأخلاقه وعلى فعله للأوامر واجتنابه للنواهي.

ولا شك أن من تدبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سيجد فيهما ما يغنيه ويكفيه، والله تبارك وتعالى أمرنا بطاعته وطاعة رسوله واتباع شرعه واتباع ما أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومن السنة التي سماها الله سبحانه وتعالى وحيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت