بالتكبير، فقيل: المراد به قوله"الله أكبر"مرة أو ثلاثًا بعد السلام فكان - صلى الله عليه وسلم - يقول"الله أكبر"مرة أو مكررًا إذا فرغ من الصلاة، والمعنى: كنت أعرف بسماع"الله أكبر"انصرافه وفراغه من الصلاة. وقيل: المراد التكبير الذي ورد مع التسبيح والتحميد عشرًا أو أكثر فيحتمل أنه كان بدءه بالتكبير قبل التسبيح والتحميد لما ورد: لا يضرك بأيهن بدأت. وقيل: المراد التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض ورفع، والمعنى كنت أعرف انقضاء كل هيئة من الصلاة إلى أخرى بتكبيره أسمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: المراد كنت أعرف انقضاء الصلاة بانقضاء التكبيرات، وهذان التأويلان يخالفان الباب، ويخالفان أيضًا رواية الشيخين لحديث ابن عباس هذا ومن وجه آخر بلفظ: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. قال العيني: أي كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر-انتهى. وهذه الرواية تؤيد بل تعين القول الأول فهو المعتمد، لكن قوله"التكبير"أخص من هذه الرواية؛ لأنه الذكر أعم من التكبير، فيحتمل أنهم كانوا يرفعون الصوت بالتكبير والذكر كليهما، فيكون الحديث دليلًا على استحباب رفع الصوت بقول"الله اكبر"مرة أو مكررًا، وبأذكار أخرى عقب المكتوبة، ويحتمل أن يكون قوله"التكبير"مفسرًا لهذه الرواية، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤن بالتكبير مرة أو مكررًا قبل الأذكار الأخرى. ويحتمل أن يكون المراد بالتكبير مطلق الذكر بعد الصلاة. وظاهر الحديث أن ابن عباس لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، ولا يلزم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، ويحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير، قال ابن دقيق العيد: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد-انتهى. قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف: أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن يستحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري، ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر، وحمله الشافعي على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائمًا. قال: فاختار للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك إلا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، وحمل الحديث على هذا-انتهى. قلت: ما ذهب إليه بعض السلف، وابن حزم من المتأخرين من استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر أثر كل صلاة مكتوبة هو القول الراجح عندي، وإن لم يقل به الأئمة الأربعة ومقلدوهم؛ لأن حديث ابن عباس باللفظين نص في ذلك، ويدل على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن الزبير الآتي، والحق يدور مع الدليل لا مع الادعاء أو الرجال، نعم لا يبالغ في رفع الصوت، ولا يجهر جهرا مفرطا لقوله - صلى الله عليه وسلم: اربعوا على أنفسكم،